عبد الهادي محفوظ: مأزق واشنطن وتل أبيب وطهران وما بعده “النووي”

*عبد الهادي محفوظ: مأزق واشنطن وتل أبيب وطهران وما بعده “النووي”*

الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضائع بين خياري التصعيد والتهدئة بالحرب التي يشنّها على إيران. فهو كان يتوقع أن يكون اغتيال المرجع الروحي الإمام علي خامنئي مدخلا لقبول إيران بالإملاءات الأميركية قياسا على ما جرى مع خطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وما أعقبه من تجاوب نائب الرئيس ديلسي رودريغيز مع ما تريده واشنطن من تغييرات في بنية السلطة وفي إشراف أميركي عبر شركة أميركية يملكها هو شخصيا لتسويق النفط الفنزويلي. وبهذا المعنى سلطة دينية وسياسية في إيران تحت المظلة الأميركية. وهذه الحسابات ذهبت أدراج الرياح. فقرار الحرب الذي اتخذه ورّط الولايات المتحدة في حرب كان يمكن أن تتحاشاها خصوصا وأن مفاوضات فيينا كانت تبشّر بنتائج إيجابية تفضي إلى اتفاق تمهيدي وحتى إلى اتفاق نووي جديد بين واشنطن وطهران وترسي قواعد مقبولة لدوائر النفوذ وتتيح في إعطاء واشنطن في أن تكون “الفاعل الرئيسي” في المنطقة وصياغة مبادرة السلام فيها وفقا للرؤية الأميركية لا لرؤية إسرائيل التوسّعية.
ووفقا لمصادر أميركية عليمة أن جهات استخباراتية أميركية رفعت إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب معلومات خاصة تفيد بأن إيران لن تستسلم وأنها مستعدة لحرب طويلة. وارتكزت تلك المعلومات إلى تاريخ إيران الحضاري الذي يمتد إلى ٦٠٠٠ سنة وإلى ارتباطها بمعتقد شيعي يعطي مكانة خاصة للشهادة ولدور ريادي للمرجع الروحي الذي يعتبر نائبا للمهدي المنتظر الذي عودته ترتبط بإقامة العدالة على الأرض ومواجهة الطغاة والمفسدين في الأرض والمستكبرين. وفي هذا المجال يستنتج العارفون بهذه المعلومات بأن الرئيس الأميركي لا يحتمل الإصغاء لفترة طويلة وما يقبل به بلحظة يعود لتناسيه لاحقا… وأنه بسبب سوء تقديرات الحرب مشوّش إلى حدود بعيدة.
والأرجح أن الرئيس ترامب محكوم حاليا بالفرضيات: فرضية أن تدمير بنية جزيرة خرج يدفع إيران إلى إتاحة عبور الناقلات في مضيق هرمز ما يوفّر للرئيس الأميركي دونالد ترامب لحظة انتصار. فرسالة خرج تريد أن تقول بأن ترامب تحاشى إشعال النفط في الجزيرة بانتظار “الجواب الإيراني”. وكان “الجواب” إغلاق الممر أمام الناقلات النفطية التي تنتمي لدول عدوة. وأما اللجوء إلى إشعال النفط في الجزيرة لقطع الموارد المالية الإيرانية فالجواب عليه هو “إشعال النفط في دول الجوار” التي تقيم عليها الولايات المتحدة الأميركية قواعد عسكرية تستخدمها في حربها على إيران والإغلاق الإجباري لحقول النفط وضخّه.
لكن ما لا يقوله البعض أن من بين الأهداف لاستهداف جزيرة خرج كان أيضا لتخفيف الأضرار عن إسرائيل الناجمة عن الصواريخ البالستية والفرط صوتية والتي تحمل متفجرات تصل إلى وزن ٢٠٠٠ كلغ متزامنة مع صواريخ من لبنان تستهدف مستوطنات الجليل الأعلى والمستوطنات والعمق الإسرائيلي وصولا إلى تل أبيب. أما الأهداف الإيرانية في الداخل الإسرائيلي فتتركّز على مواقع عسكرية واستخباراتية ومراكز دراسات أمنية وأجهزة رادار ومحطات تخزين النفط وشبكة الكهرباء والمطارات العسكرية. وهي على ما يبدو تلحق الإيذاء بإسرائيل رغم التعتيم الإعلامي الواضح ومنع الصحافة من التصوير. ومن بين المرامي الإيرانية هو فك الارتباط بين الحسابات الأميركية والحسابات الإسرائيلية وجعل كلفة الحرب عالية جدا على الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها كما التحكّم بسوق النفط والغاز وارتداداته السلبية على الداخل الأميركي بورصة وأسواق مالية وشركات وأعباء إضافية على المواطن الأميركي هو بغنى عنها مبدئيا. فإضافة إلى الحرب العسكرية هناك “حرب أعصاب” بين واشنطن وطهران واختبار للقدرة على الصبر وإلى احتمالية يخشاها كثيرون ممن هم في دائرة القرار الأميركي من لجوء الرئيس ترامب إلى التهديد بقنبلة ذرية تكتيكية يسميها “بيبي بومب” على غرار قنبلة هيروشيما.
وهؤلاء في تقديرهم أن هذه الاحتمالية لن توقف الحرب بل تنقلها إلى فتح الأبواب على حروب عالمية تبدأ صغيرة وتنتهي كبيرة وتقحم روسيا والصين وأوروبا في معادلات لا يريدها أحد.

عبدالهادي محفوظ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى