
تحكم سياسة في مستوى مرتفع من البراغماتية والواقعية التقاطع بين واشنطن وطهران حول مشاركة نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس في الوفد الأميركي المفاوض ورئاسته له. فمن مصلحة نائب الرئيس دفع المفاوضات إلى تنازلات متبادلة أميركية وايرانية. ذلك أن نجاح المفاوضات هو نجاح له وتخفيف خسائر الحزب الجمهوري وتعزيز حظوظه في الإنتخابات الرئاسية الأميركية. فهو يبرر الفترة التي يريد أن يمضي بها الرئيس الأميركي في الحرب حتى لا يضطر لمعاودتها في المستقبل على ما يقول سيد البيت الأبيض إلا أن طهران بدورها تريد ضمانة أميركية ودولية بعدم تكرار الحرب. وهذه الضمانة الأميركية لا يمكن أن يوفّرها إلا دي فانس المهيّأ ليكون الرئيس القادم والمقيم في البيت الأبيض.
دي فانس براغماتي ولا يتسرّع بقراراته ويبحث جديا عن مخارج للحرب. وهذا التوجّه يلتقي مع ما يريده غالبية الأميركيين ومعهم الشركات المالية والأسواق والبورصة التي خسرت 11 نقطة منذ بداية الحرب وهناك توقعات لخسارة نقاط كثيرة في حال استمرار الحرب. وهذه ناحية لا يستسيغها المستهلك الأميركي وقد تثير ردود فعل في الوسط الأميركي يعمل دي فانس على تحاشيها وعلى ضرورة المضي قدما بالخيار الديبلوماسي. وعلى ما يبدو أن هناك دعما له من الأجهزة الإستخبارية التي كانت تتحفظ على استدراج الولايات المتحدة الأميركية إلى الحرب من جانب رئيس الحكومة الاسرائيلية. ولعل هذه الحقيقة هي التي تفسّر المحاولات الاسرائيلية في إزاحة دي فانس من أن يكون فاعلا رئيسيا لأنها تعتبره يمكن أن ينتج اتفاقا بين واشنطن وطهران لا يراعي حسابات رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو في تحويل اسرائيل إلى ’’دولة عالمية عظمى‘‘ مهيمنة سياسيا واقتصاديا وعسكريا في منطقة الشرق الأوسط وعلى دول مجزأة ومتناحرة وضعيفة.
فما يقوم به رئيس الحكومة الاسرائيلية هو سياسة التصعيد العسكري وتدمير لأهداف مدنية وعسكرية وتعليمية وصناعية وأيضا لأهداف إعلامية كما جرى مع اغتيال الصحافيين في قناتي المنار والميادين عبر ما يسميه المزاوجة بين الحرب العسكرية والحرب الاعلامية التي كان قد أطلقها قبل شهرين وحملت عنوان ’’الحرب الثامنة‘‘. وفي ’’الحرب الثامنة‘‘ هذه اعتبر نتنياهو أن اسرائيل فشلت في الإعلام التقليدي في الحرب على غزة وأن الإعلام الالكتروني وإعلام التواصل الإجتماعي ألحق ضررا كبيرا بسمعة اسرائيل وبتأثيرها الإعلامي بحكم المعلومة السريعة التي كانت تصل إلى الخارج الدولي من الميدان الفلسطيني واللبناني. ومن غايات التصعيد العسكري الاعلامي حذف الاعلاميين في الميدان من دون اهتمام بالإحتجاج لدى مجلس الأمن أو غيره استنادا إلى الحصانة الدولية التي تشمل كل الاعلام في العالم بما فيه الاعلام الاسرائيلي. ومعنى هذا الأمر أن نتنياهو يريد استدراج الآخرين إلى استهداف إعلاميين اسرائيليين خصوصا وأن هناك بدايات تذمّر في الاعلام الاسرائيلي من حروب نتنياهو العبثية.
واقع الأمر أن الرئيس ترامب يتأرجح حاليا بين تغليب نائبه جيه دي فانس للديبلوماسية وبين سعي نتنياهو إلى منع اتفاق بين الولايات المتحدة الأميركية وايران. فقد أبدت طهران أنه ’’ليس لدينا رغبة في استمرار الحرب. وإنما ليس لدينا ثقة بالتحرك الأميركي.‘‘
’’عدم الثقة في استمرار الحرب‘‘ قد تكون القاسم المشترك الأميركي – الايراني. وهذا يعني أنه على الطرف الذي بدأ الحرب أن يبدي مرونة في التجاوب مع الوسيط الباكستاني الذي يحمل غطاء الدول الاسلامية وأن يعطي مكسبا ما للمرجع الروحي السيد مجتبى خامنئي حتى يكون قادرا على اتخاذ قرار وقف الحرب كما فعل الإمام الخميني في الحرب على العراق. ذلك أنه شئنا أم أبينا ما كان يستطيعه الإمام الخميني لا يملكه المجتبى صاحب القرار في الحرب والسلم إلا بتسهيلات أميركية ورسم حدود جديدة لدوائر النفوذ وإلى طمأنة من عدم معاودة الحرب وإلى رفع العقوبات والمساعدة في إعادة بناء ما تهدّم. وكل ذلك بالطبع كفيل أيضا بالمقابل بخفض السقف العالي للمطالب الايرانية خصوصا وأن المجتبى يخص باكستان التي تعمل على خفض التصعيد بعطف خاص سيّما وأن إسلام أباد تجذب كل الدول الاسلامية إلى الخيار الديبلوماسي. وهذا أمر يعزز من موقع دي فانس المنفتح.
عبد الهادي محفوظ



