
يؤكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن "ايران طلبت وقف النار فيما تنفي طهران الأمر". وهذا ترجمته الفعلية هو البروباغندا الإعلامية التي تصاحب الحرب العسكرية والمفاوضات المباشرة وغير المباشرة وسعي الوسطاء إلى تبريد الأجواء وخلق مناخات الثقة بين واشنطن وطهران.
والملاحظ حاليا هو صعود باكستان إلى الواجهة ومعه محور الدول الإسلامية الاقليمية بإضافة المملكة العربية السعودية إليه بعد مصر وتركيا. وكلها دول اقليمية مؤثرة في الجغرافيا السياسية والعلاقات الدولية والإمكانات النفطية والمالية والعسكرية. وكذلك لا ينبغي إهمال الدور الديبلوماسي في الكواليس لما تقوم به وزارة الخارجية البريطانية حيث تعتبر العاصمة لندن مصدر الثقل الانكلوساكسوني ليس في المملكة المتحدة وحدها وإنما في الولايات المتحدة الأميركية وكندا وأستراليا. وبهذا المعنى فإن لندن تقارب الحرب الأميركية على ايران من زاوية خاصة هي زاوية "الضمانات" التي تطالب بها طهران لوقف الحرب تجنبا لحروب أخرى لاحقة. وبالطبع فإن بريطانيا تملك خبرة واسعة بتركيبة مجتمعات هذه المنطقة وتقاليدها وما تقبل به وما ترفضه. وهذا ما يغيب عن حسابات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي اعتقد بأنه بمجرد اغتيال المرجع الروحي السيد علي خامنئي يتكرر النموذج الفنزويلي وتستسلم ايران. فكانت نتيجة الحسابات الخاطئة استبدال خامنئي بخامنئي.
الرئيس الأميركي دونالد ترامب شخص "يفاجئ" الآخرين ومربك للحسابات. الفكرة ونقيضها في الآن نفسه. ولا يتوانى عن السخرية من الملوك والرؤساء. وفي حال عدم الإستجابة لأوامره من "الحلفاء" يغضب ويتوعّد. وهذا ما خلق حيرة في كيفية التعاطي معه والحذر من خطواته اللاحقة ومن سياسة "المعاقبة". وهذه الحيرة تصيب أقرب المقرّبين له في فريقه الخاص حتى من نائب الرئيس جيه دي فانس ووزرائه ورئيس أركانه. فالكل يدرك أنه هو من يتخذ قرار الحرب والتفاوض. كما هو الذي يضع أصبعه على الزر النووي. وهناك خشية عامة أميركية من هذا "الأصبع" ومن العقل الذي يديره. وهو عقل بعيد عن معرفة العقل الايراني ومعتقداته الماورائية وسلاح الصبر والشهادة ومقاربة الموت وترقّب ظهور "المهدي المنتظر" وردود الشعب الايراني. فما كان يرتقبه الرئيس ترامب هو تظاهرات معارضة في طهران والمدن الايرانية وهجوم على مؤسسات الدولة والثكنات العسكرية وتغيير النظام الايراني بفعل ما سمّاه اغتيال المستوى الأول والثاني من القيادة. وكانت المفاجأة له أن عمّت التظاهرات المدن الايرانية مساندة للنظام ومعترضة على الحرب الأميركية – الاسرائيلية. كما أن مفاجأة أصعب وقعا كانت على سيد البيت الأبيض جاءت من "الداخل الأميركي" بتجاوز نسبة المعترضين على الحرب الأميركية إلى أكثر من ٦٠ بالمئة مصحوبة بتظاهرات شعبية تهتف "لا للملك". وكذلك إلى تحميله مسؤولية الإنهيارات المالية والتراجع الملموس في البورصة الأميركية وظاهرة التضخم المالي وارتفاع أسعار البنزين والغاز والسلع.
والسؤال هل يستمع الرئيس دونالد ترامب إلى صوت الداخل الأميركي وينخرط في "مفاوضات بنّاءة"؟ وصوت "الداخل الأميركي" هذا يعبّر عنه الأميركيون برسالة التظاهر وبنمو ظاهرة الإعتراض على الحرب التي "استضافت" فريقا من أعضاء الكونغرس من الحزب الجمهوري والذين تجاوبوا مع أسباب استقالة رئيس مكتب مكافحة الإرهاب جو كينت والذي رأى أن بنيامين نتنياهو استدرج ترامب إلى حرب مع ايران غير مبرّرة.
أيا يكن الأمر تكرار تجربة هيروشيما النووية في ايران هو إشعال للشرق الأوسط نفطا وسموما وبوابات بحار وإغلاق لنوافذ الحوار والتفاوض ودفعا نحو مزيد من الإنهيارات في الأسواق المالية والإقتصاد العالمي كما ضررا بكون الولايات المتحدة الأميركية هي الفاعل الرئيسي دوليا وفي المنطقة… واستطرادا الضرر بسمعتها ومكانتها ودورها.
عبد الهادي محفوظ



