إنهيار الليفياثان: فشل الدفاع واستعادة السيادة الشعبية.

‏ب✍️ محمد الجوهري.
‏تأتي شرعية الدول عبر عقد اجتماعي يتنازل فيه الأفراد عن حرياتهم للدولة مقابل تأمين حقوقهم وحمايتهم وتأمين النظام الذي يحكم بينهم ، وينهار هذا العقد عند فشل الدفاع عنهم.
‏في قلب الفلسفة السياسية، تكمن الدولة ككيان اصطناعي يُبنى على عقد اجتماعي هش، يربط بين الحاكم والمحكوم بوعد متبادل: الحماية مقابل الطاعة.
يصف توماس هوبز في “الليفياثان” الدولة كوحش عملاق يحمي شعبه من فوضى الحالة الطبيعية، حيث “حياة الإنسان منفردة، فقيرة، قذرة، وحشية، وقصيرة”.
لكن ماذا لو انهار هذا الوحش؟
ماذا لو هاجم عدو خارجي، وفشلت الدولة في أولى واجباتها في الدفاع عن مواطنيها؟
هنا ينهار العقد، وتفقد الدولة شرعيتها الأخلاقية والقانونية، سواء في الفلسفة الكلاسيكية أو في القانون الدولي الحديث.
‏الشعب، كمصدر السلطات الوحيد، يصبح حينها المالك الشرعي للسيادة، ويحق له استعادتها.
‏أساس العقد الإجتماعي: الحماية كشرط وجودي.
‏يبدأ جون لوك في “رسالتان في الحكم المدني” بفكرة أن الدولة تنشأ للحفاظ على الحياة، الحرية، والممتلكات.
‏إذا فشلت في ذلك، يعود الحق إلى الشعب في الثورة.
هذا ليس مجرد نظرية؛ إنه مبدأ فلسفي يتجاوز الزمن. تخيل حالة طبيعية حيث يهاجم جيش أجنبي حدود بلد، يقتل المدنيين، يدمر المدن، وتتوارى الدولة خلف الجدران أو تتخلى عن واجبها.
‏هل تبقى الدولة حاكمًا شرعيًا؟
بالطبع لا.
‏ ففشلها في الدفاع ليس خطأً إداريًا، بل انهيارًا وجوديًا للعقد.
‏ يصبح الحاكم آنذاك ليس سوى طاغية، وفق تعريف أرسطو في “السياسة”، حيث يفقد الحكم شرعيته عندما يصبح “حكمًا لفائدة الحاكم لا الشعب”.
‏في فلسفة جان جاك روسو في “العقد الاجتماعي”، السيادة لا تنتقل إلى الدولة إلا بشرط الإرادة العامة،
‏ فإذا تخلت الدولة عن حماية الشعب، تتحول إلى كيان غريب، ويعود الشعب إلى حالته السيادية الأصلية.
‏هذا المبدأ ليس نظريًا فحسب؛ إنه يتجسد في التاريخ.
انظر إلى سقوط الإمبراطورية الرومانية: عندما فشل الإمبراطور في الدفاع عن روما أمام البرابرة، انتقلت الشرعية إلى الشعوب المحلية، مما مهد للعصور الوسطى. كذلك، في الثورة الفرنسية، برر الثوار إعدام لويس السادس عشر بفشله في الدفاع عن الشعب أمام الغزوات الأجنبية، مستلهمين لوك مباشرة.
‏القانون الدولي: ترجمة فلسفية لفقدان الشرعية
‏ينتقل هذا المبدأ الفلسفي إلى القانون الدولي، حيث يُعتبر الدفاع عن المواطنين واجبًا مقدسًا.
‏ميثاق الأمم المتحدة في المادة 2(4) يحظر استخدام القوة ضد سيادة الدول، لكن المادة 51 تمنح الحق في الدفاع الذاتي فإذا فشلت الدولة في ذلك، يفقد مفهوم “السيادة” شرعيته.
‏ينص على أن السيادة ليست حقًا مطلقًا، بل مسؤولية فإذا فشلت الدولة في حماية شعبها من جرائم الحرب، الإبادة الجماعية، أو التطهير العرقي – وهو ما يشمل الهجمات الخارجية – يحق للمجتمع الدولي التدخل، وتُسحب الشرعية من الدولة وتنتقل للشعب.
‏ فلسفيًا، يعيد هذا هوبز إلى الواجهة: الدولة ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة.
‏ فشلها يعيد الشعب إلى “حالة الطبيعة”، لكنه ليس فوضى؛ بل فرصة لإعادة بناء عقد جديد.
‏الشعب كمصدر السلطات: من الفلسفة إلى الثورة
‏يؤكد روسو أن “السيادة لا تنتقل أبدًا”؛ هي دائمًا في الشعب.
‏عندما تهمل الدولة واجب الدفاع، يصبح الشعب مالك السلطة الأصلي.
و‏هذا يتجاوز الديمقراطية؛ إنه مبدأ عالمي.
‏في فلسفة هانا أرندت في “حول الثورة”، الثورات الحقيقية تنشأ عندما يفقد النظام شرعيته بسبب الفشل في الحماية، كما في الثورة الأمريكية ضد البريطانيين الذين فشلوا في الدفاع عن المستعمرات.
‏ الشعب لا يثور من أجل الثأر، بل لاستعادة السيادة.
‏تاريخيًا، يتكرر هذا في العالم العربي ففي سوريا منذ 2011، فشل الأسد في الدفاع عن شعبه أمام التمردات والتدخلات الخارجية، مما أدى إلى فقدان شرعيته دوليًا جزئيًا، حيث اعترفت دول بـ”المعارضة” كممثل شرعي. فلسفيًا، يرى جون راولز في “نظرية العدالة” أن العدالة تتطلب حكمًا يحمي الأضعف؛ فشل ذلك يبرر التمرد.
‏ إذن، عند الهجوم، وتخاذل الدولة، تنتقل الشرعية إلى الشعب، الذي يصبح مصدر السلطات الوحيد.
‏هنا يبرز السؤال هل السيادة مطلقة؟
‏قد يعترض البعض، مستلهمين هوبز، بأن أي تمرد يؤدي إلى فوضى، لكن هوبز نفسه يحدد شروطًا: إذا أصبح الحاكم “عدوًا للشعب”، يحق الدفاع.
‏في القانون الدولي، اتفاقية جنيف (1949) تحمي المدنيين، وتُلزم الدول بالدفاع عنهم؛ فشل ذلك يُعد جريمة حرب.
‏كما في حالة أوكرانيا 2022، حيث دافعت الدولة عن شعبها، فحافظت على شرعيتها، بينما لو تخلت، لانتقلت إلى الشعب أو المجتمع الدولي.

‏فلسفيًا، يضيف مايكل والزر في “الحروب العادلة” أن الدفاع واجب أخلاقي أساسي، فشله يفقد الدولة “الحق في الحرب”، ويجعلها غير مؤهلة للحكم.
‏ هكذا، لا تكون السيادة مطلقة؛ بل هي مشروطة بالحماية.

‏في النهاية، الدولة ليست إلهًا؛ بل هي خادم، ‏عندما يهاجم العدو وتفشل في الدفاع، تنهار شرعيتها، وفقدانًا للعقد الإجتماعي وللقانون الدولي.
‏الشعب، هو مصدر السلطات، يستعيد دوره كمهندس التاريخ.
‏هذا ليس دعوة للفوضى، بل تذكير بأن الحكم مسؤولية، وفشلها يُولد ثورات عادلة.
‏ كما قال أبراهام لنكولن: “الحكومة من الشعب، للشعب، عن الشعب”. إذا هي فشلت في الحماية، تنتهي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى