
قال الوزير السابق القاضي محمد وسام المرتضى تعليقاً على مواكب الدراجات النارية التي سارت في بعض أحياء بيروت وما تخلّلها من هتافات عنصرية:
"ليست المسألة في هتافٍ يُقال أو في موكبٍ يسير، بل في معنى ما يُقال ويجري، وفي توقيته، وفي نتائجه. فالأوطان لا تُدار بردود الفعل، بل بحسن تقدير العواقب. ومن هنا، فإنّ هذه المواكب وما يتخلّلها من هتافات «شيعة شيعة»—بغضّ النظر عن دوافعها—تقع في غير موضعها، لأنها تنقل المشهد من ساحة مواجهة العدوّ إلى ساحات الداخل، حيث لا يجوز أن يُفتح أيّ بابٍ للانقسام.
إنّ التضحيات التي تُبذل على الحدود لا تحتمل التأويل الفئوي، ولا تُجزَّأ في معناها، لأنها في جوهرها فعلُ دفاعٍ عن وطنٍ بكلّ مكوّناته، لا عن جماعةٍ بعينها. وأيّ قولٍ أو فعلٍ يُعيد فرز الناس في لحظةٍ يفترض أن توحّدهم، إنما يُسيء إلى هذه التضحيات قبل أيّ اعتبارٍ آخر.
ثم فليتذكّر الجميع ان ابطالنا الذين يقدّمون دماءهم وارواحهم دفاعاً عن لبنان ويفرضون على الاسرائيلي التقهقر والانكفاء امام ثباتهم وصمودهم لم يرد على لسان أحدٍ منهم شعار:" شيعة شيعة".
إن هذا النوع من التعبير، ولو جاء على سبيل الانفعال، يلتقي موضوعيًا مع ما يريده العدو وهنا تكمن خطورته الأكبر: إضعاف الداخل، وتشظية المجتمع، وفتح ثغراتٍ يعجز هو عن فتحها بالقوّة. فهل ننفّذ له، بأيدينا وألسنتنا، من حيث لا نقصد، ما عجز هو عن فرضه، فنغدو بذلك خُدّاماً لأهدافه؟ وهل تتحقّق المصلحة الوطنية برفع رايات الانقسام، أم بتثبيت قواعد الشراكة التي وحدها تحمي البلد؟
إنّ مسؤولية المعنيين تفرض عدم تبرير الهتاف والاستفزازات، بل نقدها وضبطها؛ وعدم مسايرة الخطأ، بل تصويبه والتنبيه الى تداعياته. لأنّ القوّة الحقيقية لا تكون في حدّة الصوت، بل في دقّة البوصلة. وما لا يخدم وحدة اللبنانيين لا يمكن أن يُدرج في خانة ما يحميهم، مهما حَسُنَت النيات.
في لحظاتٍ كهذه، يُختبر الوعي: فإمّا أن نكون حيث يجب أن نكون—في موقع تحصين الداخل وتوحيد الكلمة والحؤول دون أن يحقق العدوّ أهدافه—وإمّا أن ننزلق، من دون أن نشعر، إلى حيث يريد العدوّ لنا أن نكون. وبين الخيارين أمانةٌ للوطن ولدماء الشهداء، لا يجوز التفريط بها ابداً



