‏التفاوض من موقع عجز… لا سيادة

المفاوضات المباشرة مع إسرائيل في ظل السلطة اللبنانية الحالية، ليست خطوة سيادية بقدر ما هي ترجمة لعجز سياسي مزمن.

‏فمن يفاوض اليوم لا يبدو كدولة تمتلك رؤية وطنية موحدة، بل كسلطة مأزومة تبحث عن مخرج من ضغط خارجي وداخلي، حتى لو جاء ذلك على حساب الثوابت الوطنية أو التوازن الداخلي اللبناني.

‏هذا العجز ليس حادثًا عابرًا، بل نتاج انهيار اقتصادي يفوق 90% من فقدان قيمة الليرة منذ 2019 وضغوط دولية متصاعدة بعد حرب 2024، مما يجعل التفاوض مسارًا لامتصاص الأزمة، لا لحلها جذريًا.

‏منطق المعارضة: السلطة مفلسة استراتيجيًا ‏من منظور المعارضة فالمشكلة ليست في إسرائيل فقط، بل في السلطة التي تدخل التفاوض، فهي لا تتحرك انطلاقًا من استراتيجية وطنية متماسكة، بل تحت وطأة أربعة عوامل رئيسية:

‏*الانهيار الاقتصادي الشامل.

‏*الضغط الدولي المكثف، خاصة الأمريكي-الإسرائيلي.

‏*الارتباك في القرار السيادي.

‏*العجز عن إنتاج موقف وطني جامع.

‏نتيجة لذلك، يُنظر إلى أي مفاوضات مباشرة بسلبية شديدة، لأنها تعني الدخول من موقع ضعف، مما يثير ثلاث مخاوف أساسية:

‏١-تحولها إلى غطاء لتسويات غير متكافئة، كتنازلات أمنية دون مقابل.

‏٢-استعمالها لتثبيت أمر واقع سياسي أو أمني جديد.

‏٣-فرض نتائج على اللبنانيين دون مشاركتهم الفعلية في صياغتها.

‏في هذا السياق، لا يصبح التفاوض أداة لحماية لبنان، بل أداة لإدارة الإنحدار التدريجي.

‏المشكلة في شرعية من يفاوض باسم لبنان، ‏والسؤال الأهم ليس "هل نتفاوض أم لا؟"، بل "من الذي يملك حق التفاوض باسم لبنان، وعلى أي أساس، وبأي غطاء شعبي ومؤسساتي؟".

‏إذا كانت السلطة نفسها موضع شك داخلي، وبدون مشروع وطني جامع، فإن أي تفاوض مباشر مع إسرائيل يفتقر إلى الشرعية السياسية الكافية.

‏هنا يتحول التفاوض، بدل أن يكون فعل دولة قوية، إلى قرار فوقي يُضاف إلى سلسلة قرارات أضعفت الدولة أصلًا.

‏من منظور فلسفي ولتوضيح هذا العجز، نلجأ إلى توماس هوبز في "الليفياثان" (1651)، حيث يرى الدولة كـ"عقد اجتماعي" يمنح السيادة للسلطة مقابل الحماية.

في لبنان، تنهار هذه الصورة: فالسلطة أصبحت "ليفياثان مشلولاً"، يتفاوض مع وحوش خارجية دون قوة فعالة أو غطاء شعبي.

‏هوبز يحذر أن السيادة الحقيقية تتطلب مشروعًا يتجاوز "حرب الكل ضد الكل"، وإلا تحولت إلى واجهة للتبعية. هكذا، تكشف المفاوضات عن فقدان الشرعية الداخلية، مما يجعل أي اتفاق تفويضًا للاستبداد الخارجي.

‏أخيرا فإننا بحاجة إلى إعادة بناء داخلي، حيث لا يحمي التفاوضُ لبنان إلا إذا سبقه إعادة بناء داخلي للدولة، يعيد الشرعية والرؤية الوطنية، وإلا، سيظل مجرد فصل آخر في قصة العجز المزمن.

                       *‏محمد الجوهري*

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى