الوطن كسوق إقصاء: تهديد الكرامة الإنسانية بفعل لغة الهيمنة.

‏✍️محمد الجوهري

‏تأتي تصريحات السفير الأميركي التي تهدّد الفاعلين المعترضين على إساءة رموزهم بالرحيل من وطنهم، لتعبّر عن أسلوب تدخّلي وتهديمي لسيادة القرار اللبناني. السفير يُحوِّل الوطن من فضاء للهوية المشتركة إلى ساحة مساومة بين ترامب ونتنياهو، ويُقدّم بعض الفاعلين على أنهم لا يصلحون للعيش في لبنان إذا لم يلبّوا سقف الموقف الأميركي.

‏هذا يُسقط صورة الشعب اللبناني كصاحب حقٍّ وذاتٍ تاريخية، ويختزل هوية البلاد في مفاوضات تُفْرَض من الخارج، لا تُبنى على إرادة وطنية حقيقية.

‏يُقدّم السفير نفسه ليس فقط كسفير، بل كـ«مُعدِّلٍ» للعلاقات بين القيادات، عندما يسأل بسخرية: «لماذا لا يذهب الرئيس بري إلى الرئيس عون؟» ويُعلن أنه سيستفسر منه عن «عنجر وعوكر».

‏هذا النوع من التدخّل يُعيد تشكيل الإنقسام الداخلي على وفق مقاربة خارجية، وكأن الحوار بين بري وعون لا يُبنى على إرادة وطنية، بل على مباركة أميركية وتصوّر تفاوضي يُقدَّر من فوق.

‏الوطن هنا يُحوَّل إلى ساحة مراقبة، حيث يُسأل كل فاعل: هل يُرضي السفير؟ قبل أن يُسأل: هل يُرضي الضمير الوطني؟

‏وفي الوقت نفسه، يُقدِّم السفير «زيارة الرئيس عون إلى واشنطن» كأمرٍ غير مُرَتّب بالعقوبات، قائلاً إن «لا خسارة للبنان» إذا زار واشنطن، لكنه يُلغِم هذا القول بسياقه: فهو لا يُقدّم الزيارة كحقٍ طبيعي لرئيس دولة، بل يُوحي بأنها بوابة تفاوضية تُستخدم كأداة ضغط في ملف التسوية مع إسرائيل.

‏هذا يُحوّل الرئيس عون إلى مُفاوِض في لعبة مُعدّة سلفاً في واشنطن وتل أبيب، لا إلى مُمثّل لخيارات شعب يحق له الرفض والإعتراض.

‏على المستوى الفلسفي، يكشف هذا النمط من الخطاب عن منطق خطير: أن الإنتماء للوطن لا يُبنى على الكرامة والحق، بل على الإنقياد والقبول بموجبات القوة.

‏الخطاب يحوّل الوطن من فضاءٍ مشترك للهوية إلى سوقٍ للولاء، حيث يُقال للفرد: «إذا لم تُعجِبك القواعد التي تفرضها القوة، فاخرجوا إلى مكان آخر»، كأن الإنتماء حقٌ يُمنح فقط لمن يسكت، لا لمن يعترض.

‏هذا يلتقي مع فكرة الإغتراب كما طوّرها ماركس والفلاسفة الوجوديون: الإنسان يشعر بالغربة في وطنه حين تُستبدَل كرامته الإنسانية بقيمة وظيفية تُقاس بقدر التسليم.

‏فحين يُهدَّد المعترض بالرحيل، لا يُعاد تعريف قيمته كإنسان، بل كـ«عامل مزعج» في معادلة سلطة أكبر. الوطن هنا يفقد معناه كفضاء للحوار والإختلاف، ويصبح مسرحاً لتصفية لا تُفارِق من لا يُعجبه السيناريو.

‏من زاوية كانط، يُعتبر حق الإعتراض والإحتجاج جزءاً أصيلاً من الكرامة الإنسانية، لأن الإنسان لا يملك أبداً كرامة لأنه يوافق على السلطة، بل لأنه إنسان.

‏وحين يُقال لمن يعترض على إساءة رموزه إن «ليس هذا البلد مناسباً له»، فإن هذا يُحوّل الاعتراف بالكرامة إلى مكافأة تُمنح للشاكر، لا إلى حقٍ طبيعي.

‏والاعتراض يُختزل إلى اختيار خاطئ يُعاقَب عليه بالإستبعاد، وليس إلى فعلٍ مُشروع للدفاع عن العدالة.

‏ومن منظور الفعل اللغوي performatif عند فلسفة اللغة، فإن جملة «اخرجوا إذا لم تُعجبكم» ليست مجرد وصف، بل فعل تهديدي يعيد تشكيل العلاقة بين الفرد والدولة.

‏هذا الفعل يُعيد تحديد من يملك حق الوجود في الوطن، ومن يُستبعد من دائرة الشرعية.

‏الوطن يصبح هنا آلة تجاذب، يُستهلك فيها الإنسان في مفاوضات بين قوى إقليمية، لا فضاءً لبناء مشروعية جمعية واعية.

‏بهذا المعنى، فإن التهديد بالرحيل ليس مجرد تدخّل سافر في الشؤون الداخلية، بل هو تجلٍّ فلسفي لمنطقٍ يُعيد تأكيد أن الوطن يُبنى على الإقصاء، لا على الإحتواء، وأن الفرد يُقدّم كثمنٍ في سوق التسوية، لا كصاحبٍ لهويةٍ وكرامة.

‏ومن هذا المنظور، يمكن أن نقول للسفير وللمتستّرين على مشروع الهيمنة: «وطنٌ يُهدَّد المعترضون فيه بالرحيل، هو وطنٌ لا يملك أسمى مقوّمات السيادة: القدرة على احتمال الإختلاف والإعتراف بكرامة كل فرد».

‏الشعب اللبناني الحر يرفض أن يُعامل كـ«ثمنٍ» في صفقة أميركية–إسرائيلية، فلا يمكن قبول أن يُقال إن نتنياهو ليس بعبعاً، فيما دولة الإحتلال ما تزال تُمارس العدوان والتهجير والإنتهاك المستمر للقانون الدولي.

‏النظر إلى نتنياهو كـ«محاور ثان» لا يُبرّر الماضي ولا يُغسل العدوان، بل يُعيد تسمية الظالم مُتفاوضاً، وتحويل الإنتهاكات إلى نقاط تفاوضية.

‏ندعو السفير الأميركي إلى أن يُدرك أن لبنان ليس دولة مُستعارة، وأن اللقاء بين الرئيس عون ورئيس وزراء العدو لن يكون ممكناً ولا مقبولاً ولن يكون تسوية تُستعمل لإضفاء شرعية على احتلالٍ لا يقبل الشرعية في ضمير الشعب والقانون معاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى