شكوى بيروت ضد طهران: فعل حزبي أم موقف وطني؟ قراءة فلسفية نقدية.

ب✍️ محمد الجوهري.

‏الشكوى التي وُضِعت أمس في أروقة الأمم المتحدة ضد طهران لم تكن مجرد رسالة دبلوماسية محايدة تصدر بإسم دولة متراصة؛ بل جاءت، في جوهرها وشكلها، كتوقيع حزبي يحمل اسم الدولة ليمنح نفسه حجية وطنية.

‏هذا الفعل لا يختصر فقط مفارقة سياسية؛ بل يسلّط ضوءًا أخطر على التصدعات الداخلية في لبنان: السلطة منقسمة، وليس هناك إجماع وطني حقيقي يدعم تحويل لبنان إلى ساحة سجال إقليمي تُخاض فيها حسابات أحزاب ومشاريع ذات ولاءات وتاريخ خاص.

‏أولاً، يجب القول بصراحة أن من قدّم الشكوى ليس «لبنان» بوصفه كيانًا موحَّدًا، بل فريق سياسي محدد يسعى لإسناد موقفه الخاص بردٍّ على حساب التضامن الوطني.

‏هذه الحقيقة ليست صيغًا بلاغية فحسب؛ فهي تعيد إلى الواجهة سؤال الشرعية: هل يكفي توقيع وزارة لتقديم بلد كله باعتباره رواية قانونية أمام الأمم المتحدة، بينما المؤسسات الأخرى في الدولة ممتنعة أو معارضة؟ إن تحويل صوت حزب إلى صوت دولة يطمسه شرط الإجماع السياسي ويجمّد الأسئلة حول التمثيل والشرعية الداخلية.

‏ثانياً، إن وصف وزير الخارجية الذي حمل اسم الدولة لتقديم الشكوى بصفته «ممثلاً لحزب» وليس كممثل محايد للدولة ليس مجازاً؛ بل وصف لواقع سياسي.

‏عندما يكون منصب حساس كهذا مُمسكًا بشخصية مرتبطة حزبياً وتابعة لهيكلة سياسية لها تاريخ وتوجهات محددة، يصبح العمل الدبلوماسي معبّأً بخطاب داخلي يهدف إلى ترسيخ مكاسب سياسية داخلية، لا فقط حماية مصالح وطنية محايدة. هذا الخلط بين الأدوار يضع علامات استفهام على دوافع الخطوة ومآلاتها.

‏ثالثاً، لا بد من التذكير بتاريخ علاقة هذا الحزب بمشاريع إقليمية خارجة عن السياق الوطني.

‏هنا نغمز بإحساس سياسي تاريخي: ثمة مسارات تاريخية وروابط سابقة بين بعض مكونات المشهد السياسي اللبناني وقوى إقليمية أو إقليمية-عبرية أعادت تشكيل مواقفها في لحظات مفصلية.

‏الإيحاء بهذه الخلفية ليس افتراءً بل قراءة سياقية لفعل سياسي لا يحدث في فراغ؛ فالذاكرة السياسية تُقرأ عبر سياسات سابقة، والتباسات الولاءات القديمة تفرض نفسها كمرآة تحكمية ينبغي أخذها بعين الاعتبار عند تقييم مبادرات تبدو وطنية لكنها قد تنطوي على حسابات حزبية أو خارجية.

‏رابعاً، من زاوية فلسفية، ما حصل هو مثال على «التمثيل الزائف»؛ أي تحويل جزء إلى كلّ.

‏الفلاسفة السياسيون حذّروا من هذا المنطق: حينما يقدم جزء موقفه باعتباره موقف الكل، يتحول الفضاء العام إلى فسيفساء من أصوات منفصلة تُقحمها صيغ السيادة التجسيدية.

‏النتيجة ليست توحيدًا بل تكثيف الإنقسام؛ الدولة بدلاً من أن تكون فضاءً لتداول الخلاف تتحول إلى غطاء شرعي لصراع داخلي بين مشاريع سياسية متناقضة.

‏خامساً، ثمة مخاطر عملية لهذا التمويه: تقديم الشكوى بصيغة توحي بأن «الدولة» تقف خلفها يسهّل للخصوم الداخليين والخارجيين تبنّي الخطوة كذريعة لتشديد مواقفهم أو فرض شروط جديدة على القرار اللبناني. بينما لو كانت الخطوة واضحة كفعل حزبي، لكان الجمهور والنقاش الداخلي أكثر صراحة، ولربما اتسع حقل المشاورات لتغليب حلول وطنية متوازنة.

‏بدلاً من ذلك، صار المشهد مرشحًا لاستخدام الشكوى كورقة في لعبة أكبر تُعيد رسم التحالفات وترسخ وصاية خارجية مقنّعة بالقانونية.

‏أخيرًا، السؤال الأخلاقي الحاد: ماذا يعني أن تُستعار لغة السيادة لحساب مشروع حزبي؟ السيادة ليست مجرد ختم يوضع على وثائق تُرفع إلى مجلس الأمن، بل قدرة مؤسساتية على إدارة الخلافات داخليًا، حماية المواطنين، وصوغ سياسة خارجية مستقلة. إن تحويل خطاب السيادة إلى ورقة ضغط حزبي يفضي إلى فقدان الجوهر: استقلال القرار يتحول إلى تفاوض دائم على صور الشرعية، والبلد يصبح متقلبًا بين رغبات أحزابٍ وامتيازاتِ محاور إقليمية.

‏إذا كان المراد استعادة الكرامة للدولة، فلتكن الكرامة فعل بناء: حوار وطني شامل، توضيح دور الأجهزة وتحرير القرار من ازدواجية الولاء، وإعادة تأكيد أن الدولة هي التي تمثل الشعب كله، لا حزبًا مؤثراً يسعى إلى توظيف مؤسساتها لصراعه الخاص.

‏وإلا فإن الشكوى التي وُصفت باسم «لبنان» ستبقى وثيقة تُسجل في الأمم المتحدة، بينما واقع السيادة يتآكل على الأرض بفعل ضعف الإجماع وتضخم تأثير المحاور الخارجية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى