عندما يتكلّم روبيرت كاجان: شهادة من داخل العقل الإمبراطوري

ب✍️محمد الجوهري.

‏ليست أهمية روبيرت كاجان في أنه قال إن أمريكا قد تُهزم في إيران، بل في أنه هو الذي قال ذلك.

‏فالرجل ليس من خصوم القوة الأمريكية، ولا من دراويش العزلة، ولا من كتّاب الهامش الذين بنوا شهرتهم على هجاء الإمبراطورية.

‏إنه واحد من أبناء الفكرة الأمريكية في صورتها الأشد اندفاعًا: فكرة أن واشنطن ليست دولة كبرى فحسب، بل قدر عالمي، وأن قوتها ليست امتيازًا قوميًا بل وظيفة تاريخية لإدارة النظام الدولي.

‏كاجان مؤرخ ومفكر في السياسة الخارجية، وزميل أقدم في معهد بروكينغز، وكاتب في The Atlantic.

‏اشتغل في وزارة الخارجية الأمريكية في ثمانينيات القرن الماضي، وكتب خطابات لوزير الخارجية جورج شولتز، وصاغ في كتبه المتعددة دفاعًا طويلًا عن الدور الأمريكي في العالم.

‏في كتبه مثل Of Paradise and Power وThe World America Made وThe Jungle Grows Back، لا تبدو أمريكا عنده مجرد قوة بين قوى، بل السقف الذي يمنع الغابة الدولية من العودة.

‏فإذا انسحبت أمريكا، عاد التاريخ إلى أنيابه، وعادت الفوضى إلى مائدتها.

‏لهذا، حين يتحدث كاجان اليوم عن الحرب على إيران، فإن صوته لا يأتي من خارج البيت الأمريكي، بل من إحدى غرفه الداخلية.

‏إنه لا يهاجم الإمبراطورية لأنه يكرهها، بل لأنه يخشى أن تكون قد فقدت قدرتها على إكمال معنى الإمبراطورية: أن تبدأ الحرب، ثم تُنهيها بشروطها.

‏هنا تكمن المفارقة..

‏فالمفكر الذي طالما آمن بأن القوة الأمريكية قادرة على ترتيب العالم، يقف أمام إيران ليقول إن واشنطن ربما دخلت حربًا لا تعرف كيف تخرج منها منتصرة.

‏في قراءته الأخيرة، يرى كاجان أن المسألة لا تتعلق فقط بحجم الدمار الذي ألحقته الولايات المتحدة أو إسرائيل بإيران، بل بالسؤال الحاسم: هل حقق هذا الدمار غايته السياسية؟

‏لقد ضُربت إيران، لكنها لم تنكسر.

‏هُددت، لكنها لم تتراجع.

‏عوقبت، لكنها لم تسلّم المفتاح.

‏والمفتاح هنا هو مضيق هرمز، ذلك الممر الضيق الذي يكشف أحيانًا أن الجغرافيا الصغيرة قد تكون أكبر من الأساطيل الكبرى.

‏إن من يسيطر على المضيق لا يسيطر على ماء فحسب، بل على أعصاب الإقتصاد العالمي.

‏لذلك يخشى كاجان أن تخرج إيران من الحرب، رغم جراحها،

‏وهي أكثر قدرة على فرض حضورها في الخليج.

‏وهذه هي الهزيمة في معناها العميق: لا أن تخسر أمريكا معركة عسكرية تقليدية، بل أن تعجز عن تحويل تفوقها الناري إلى طاعة سياسية.

‏فالإمبراطورية لا تُقاس بعدد القنابل التي تُسقطها، بل بعدد الإرادات التي تستطيع كسرها.

‏من زاوية فلسفية، تبدو الحرب هنا اختبارًا قديمًا لفكرة القوة.

‏هل القوة هي القدرة على التدمير، أم القدرة على إخضاع إرادة الخصم؟

‏هوبز كان سيرى في الدولة الأقوى تلك التي تُخيف الآخرين إلى حد الطاعة.

‏أما هيغل فكان سيذكّرنا بأن الصراع ليس على الحياة وحدها، بل على الاعتراف.

‏وفي الحالة الإيرانية، تبدو طهران كأنها تقول لواشنطن: تستطيعين أن تؤلميني، لكنك لا تستطيعين أن تنتزعي مني اعترافي بسيادتك عليّ.

‏هنا تتبدل المعادلة. فالقصف يصبح عاجزًا إذا لم يفتح طريقًا سياسيًا.

‏والتهديد يصبح صدى فارغًا إذا لم يصدّقه الخصم. والحرب تتحول من أداة حسم إلى مرآة عجز، حين يكتشف الأقوى أنه لا يستطيع الذهاب إلى النهاية، وأن النهاية الوحيدة التي تضمن له النصر، أي الغزو البري وتغيير النظام، أكبر من طاقته السياسية وأثقل من احتمال شعبه.

‏هذا ما يجعل موقف كاجان بالغ الدلالة.

‏فهو لا يكتب نشيدًا لإيران، ولا يعلن توبة فكرية كاملة عن التدخلية الأمريكية، لكنه يكشف شرخًا في الوعي الاستراتيجي الغربي.

‏لقد كانت أمريكا تقول للعالم إن النظام الدولي يقوم لأنها حاضرة.

‏أما اليوم، فيبدو السؤال معكوسًا: ماذا لو كان حضورها نفسه سببًا في تسريع الفوضى؟

‏ماذا لو أن اليد التي ادّعت حماية النظام صارت عاجزة عن ضبط النتائج التي أطلقتها؟

‏من وجهة نظر إيران، يبدو كلام كاجان أشبه بشهادة شاهد من أهلها.

‏فطهران تستطيع أن تقرأه كاعتراف بأن استراتيجية الصبر والردع والتموضع الجغرافي لم تكن عبثًا.

‏لقد راهنت إيران، طوال عقود، على أن أمريكا قادرة على بدء الحروب، لكنها أقل قدرة على احتمال حروب طويلة بلا أفق.

‏وراهنت على أن القوة العظمى، حين تُستدرج إلى منطقة لا تستطيع فيها حسم النتائج، تبدأ بفقدان هالتها قبل أن تفقد جنودها.

‏لكن الرؤية الإيرانية العاقلة لا ينبغي أن تسقط في نشوة سهلة.

‏فعدم الهزيمة ليس دائمًا نصرًا كاملًا.

‏إيران قد تخرج أكثر حضورًا، لكنها قد تخرج أيضًا أكثر إنهاكًا.

‏وقد تكسب موقعًا استراتيجيًا، لكنها تدفع ثمنًا اقتصاديًا وبشريًا وسياسيًا باهظًا.

‏غير أن الدول لا تقيس النصر دائمًا بالرفاه، بل بالبقاء وبمنع الخصم من تحقيق غايته.

‏وبهذا المعنى، تستطيع إيران أن تقول إن من أراد كسرها اضطر في النهاية إلى الإعتراف بأنه لا يملك مطرقة كافية.

‏إن كلام كاجان ليس مديحًا لإيران، بل رثاء مبكر لثقة أمريكية قديمة.

‏إنه يقول، من حيث يدري أو لا يدري، إن العالم لم يعد يقبل أن يُدار بإرادة واحدة، وإن القوة التي لا تعرف حدودها تتحول إلى سبب انكشافها.

‏أما إيران، في هذا المشهد، فليست مجرد دولة تحت القصف، بل اختبار لفكرة أوسع: هل ما زالت الإمبراطورية قادرة على أن تجعل العالم يشبه خططها؟

‏ربما تكون الإجابة التي يخشاها كاجان هي نفسها التي تنتظرها طهران: ليس دائمًا.

‏بل ربما، في لحظات معينة، تكفي دولة محاصرة، واقفة عند مضيق ضيق، كي تُعلّم القوة العظمى أن التاريخ لا يُكتب بالطائرات وحدها، وأن السيادة لا تزال قادرة على الكلام حتى تحت النار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى