
ب✍️محمد الجوهري.
في كل صدام كبير بين قوة عظمى ودولة عصيّة على الإنكسار، لا يكون السؤال الحقيقي: من يملك السلاح الأضخم؟ بل: من يستطيع أن يحتمل الزمن أكثر؟ فالتاريخ لا ينحاز دائماً إلى الحديد والنار، بل كثيراً ما يبتسم لمن يعرف كيف يحوّل ضعفه الظاهر إلى متاهة، وكيف يجعل من أرضه ووعيه وذاكرته جبهةً لا تُرى بالعين المجردة.
إن المواجهة الأمريكية الإيرانية، في جوهرها الأعمق، ليست مجرد نزاع بين دولتين، ولا فصلاً عابراً من فصول التوتر في الشرق.
إنها امتحان فلسفي لفكرة القوة ذاتها.
فالقوة حين تبلغ ذروة غرورها، تبدأ في فقدان بصيرتها. وحين تعتقد أنها قادرة على حسم المعادلات بضربة واحدة، تكتشف أن الشعوب والأنظمة والعقائد لا تُقاس كلها بمنطق الخرائط العسكرية.
أمريكا، بما تملكه من تفوق هائل، تبدو كمن يدخل كهفاً شديد الظلمة وفي يده مصباح عظيم، لكنه لا يعرف أين تنتهي الممرات.
فهي قادرة على الهدم، ولكنها ليست قادرة دائماً على ترتيب ما بعد الهدم.
تستطيع أن تزلزل البنية الصلبة، لكنها تعجز كثيراً عن تفكيك الإرادة الباطنة.
وهنا يظهر مأزق القوة الحديثة: إنها ترى الأجسام ولا ترى المعاني، تحصي الصواريخ ولا تحصي الذاكرة، تدرس الموانئ والمطارات ولا تفهم عمق الشعور القومي حين يتحول إلى عقيدة بقاء.
أما إيران، فهي تقف عند حافة اختبار بالغ القسوة.
لقد تلقت من الضغوط ما يكفي لإدخال أي دولة في حال ارتباك عميق، لكنها في الوقت نفسه تمتلك خاصية تاريخية لا يمكن إغفالها: القدرة على امتصاص الصدمة ثم تحويلها إلى سردية مقاومة.
هذه الخاصية ليست تفصيلاً دعائياً، بل عنصر من عناصر السياسة في الشرق، حيث تمتزج الدولة بالمذهب، والجغرافيا بالذاكرة، والسيادة بالكرامة.
المعضلة الأمريكية أن خصمها لا يتحرك وفق نموذج تقليدي واضح.
فحين تبحث القوة المهاجمة عن رأس واحد تقطعه، تجد أمامها بنية متعددة الوجوه.
وحين تظن أنها أفقدت القرار توازنه، قد تكتشف أن القرار صار أكثر انتشاراً وأقل قابلية للإصابة.
هنا لا تعود الحرب شأناً مادياً صرفاً، بل تتحول إلى صراع على المعنى: من يعرّف الصبر؟ من يحتكر الخوف؟ ومن يستطيع أن يقنع جمهوره بأن الألم ليس هزيمة بل عبور؟
في مثل هذه اللحظات، تقع الإمبراطوريات غالباً في خطأ قديم: إنها تخلط بين التفوق والسيطرة.
فالتفوق يعني أن تكون قادراً على الضرب.
أما السيطرة فتعني أن تكون قادراً على إنهاء الحكاية كما تريد.
وبين الأمرين وادٍ سحيق سقطت فيه قوى كثيرة من قبل.
لقد امتلكت جيوش كبرى ناراً لا تُجارى، لكنها عادت مثقلة بأسئلة لم تستطع الإجابة عنها: كيف يُهزم شعب لا ينتظر النصر السريع؟ وكيف تُكسر إرادة ترى في الخسارة الأولى باباً للثبات لا سبباً للإنسحاب؟
الفلسفة السياسية تعلمنا أن الدولة لا تُقهر فقط حين تبقى مؤسساتها، بل حين يبقى معناها في نفوس أهلها. فإذا نجح مجتمع ما في تحويل العدوان الخارجي إلى طاقة وحدة داخلية، فإن الخصم يجد نفسه أمام معادلة معقدة: كل ضغط يولّد تماسكاً، وكل ضربة تمنح السردية خصوبة جديدة.
وهذا هو الفخ الأعمق الذي قد تقع فيه القوى الكبرى، إذ تظن أنها تطارد جسداً سياسياً، فإذا بها تواجه فكرة متناسلة.
غير أن ذلك لا يعني أن الطريق أمام طهران مفروش باليقين. فالأمم التي تواجه العواصف الكبرى قد تنتصر بالصبر، لكنها قد تهزم أيضاً بسوء الحساب.
إن أخطر ما يهدد الدول في اللحظات المصيرية ليس الخوف وحده، بل الغضب غير المنضبط، والرد الذي لا يميز بين الحكمة والإنفعال. فالمعركة الكبرى لا تُدار بعضلاتها فقط، بل بعقلها البارد.
ومن لا يعرف متى يصمت، ومتى يرفع صوته، ومتى يترك الزمن يعمل لصالحه، قد يبدد أعظم أوراقه في لحظة نشوة عابرة.
إن المنطقة كلها تقف على صفيح رقيق.
الخليج، العراق، الشام، البحر، الأسواق، الطاقة، الممرات، التحالفات، كلها خيوط في نسيج واحد.
وأي اهتزاز في خيط قد يوقظ الشبكة كلها.
لهذا فإن السياسة العاقلة لا ترى الجغرافيا كساحة مفتوحة للحريق، بل ككائن حي إذا احترق طرفه اختنقت رئته.
ومن هنا تصبح الحكمة الاستراتيجية في أن يدرك كل طرف أن النار، حين تُطلق من عقالها، لا تسأل عن نية من أشعلها.
على الجانب الإسرائيلي، تبدو الحسابات أكثر توتراً. فالدولة التي اعتادت أن تنقل المعركة بعيداً عن عمقها، تخشى اليوم أن يعود إليها السؤال الوجودي من أبواب كثيرة. وهي تدرك أن أمنها لا يستند فقط إلى تفوقها العسكري، بل إلى شعور مجتمعها بأن الحياة اليومية ممكنة ومستقرة.
فإذا تزعزع هذا الشعور، دخلت السياسة في نفق نفسي أشد خطراً من الخسائر المادية. فالدول لا تنهار دائماً حين تُقصف منشآتها، بل حين يبدأ سكانها في الشك بأن المستقبل ما زال صالحاً للسكن.
أما أوروبا وأمريكا، فإنهما تنظران إلى الشرق بعين الإقتصاد بقدر ما تنظران إليه بعين السياسة.
فالممرات البحرية، وأسعار الطاقة، وسلاسل التجارة، ليست تفاصيل تقنية، بل أعصاب العالم الحديث.
وإذا اضطربت هذه الأعصاب، فإن المدن البعيدة التي لا تسمع دوي المدافع قد تشعر بالزلزال في أسواقها ومصانعها وبيوتها.
هكذا يصبح الشرق، مرة أخرى، مرآة هشاشة النظام الدولي كله.
لكن الدرس الأعمق في هذه المواجهة أن العالم دخل طوراً لم تعد فيه القوة المطلقة قادرة على إنتاج الطاعة المطلقة. لقد انتهى زمن الحسم السهل. صار الضعفاء يمتلكون أدوات تعطيل، وصار الأقوياء أسرى صورتهم وهيبتهم وتحالفاتهم وأسواقهم. لم تعد الحرب قراراً عسكرياً فحسب، بل صارت سؤالاً اقتصادياً ونفسياً وأخلاقياً وإعلامياً. ومن لا يفهم هذا التحول سيظل يقاتل في القرن الحادي والعشرين بعقل القرن العشرين.
إن الخروج من هذا المأزق لا يكون بتأليه السلاح ولا بتقديس المغامرة، بل بفهم حدود القوة وحدود الصبر معاً. فالسياسة، في أعلى مراتبها، ليست فن الإنتصار على الخصم فقط، بل فن منع الخصم من جرّك إلى الهاوية. ومن هنا فإن المنتصر الحقيقي ليس من يطلق آخر قذيفة، بل من يخرج من العاصفة ومعه دولة قابلة للحياة، ومجتمع أقل انكساراً، وموقع تفاوضي لا يزال يملك معنى.
هكذا تبدو المواجهة: ليست معركة بين واشنطن وطهران وحدهما، بل اختباراً لعصر كامل.
هل تستطيع القوة أن تتواضع قبل أن تغرق في فائضها؟ وهل تستطيع الإرادة أن تصمد من غير أن تتحول إلى انتحار سياسي؟
بين هذين السؤالين يتحرك التاريخ ببطء، كشيخ حكيم لا يرفع صوته، لكنه يكتب أحكامه بيد لا ترتجف.



