ليست وساطة بل إعتراف بحدود القوة.

ب✍️محمد الجوهري.

‏ما يجري حول إيران اليوم لا يمكن قراءته من زاوية واحدة هي زاوية التهديد الأميركي.

‏فالسردية التي تريد واشنطن تسويقها تقوم على أن طهران محاصرة، مرتبكة، تقف على حافة الإنهيار، وأن الوفود المتحركة في الإقليم لا تفعل سوى محاولة إنقاذها من ضربة وشيكة. لكن القراءة الإيرانية ترى المشهد بصورة معاكسة تمامًا: ليست إيران هي التي تستجدي الوقت، بل خصومها هم الذين يخشون نتائج الانفجار.

‏من منظور طهران، كثافة الاتصالات والوفود لا تعني أن إيران ضعيفة، بل تعني أن العالم يعرف أن أي حرب جديدة لن تبقى داخل حدود إيران. فالجغرافيا التي يراها البعض عبئًا على الجمهورية الإسلامية، تراها طهران مجال قوة. إيران ليست دولة معزولة في صحراء سياسية، بل لاعب عميق في خرائط الطاقة والممرات البحرية والإشتباكات الإقليمية.

‏لذلك، حين تتحرك العواصم باتجاه باكستان أو السعودية أو أي وسيط آخر، فهي لا تتحرك لإملاء شروط استسلام، بل لمنع واشنطن من فتح باب لا يعرف أحد كيف سيُغلق.

‏أما الحديث عن أن ترامب “لا يمزح” فليس جديدًا في القاموس الأميركي. كل رئيس أميركي تقريبًا جرّب لغة التهديد مع إيران، وكل مرة كانت النتيجة واحدة: ضغط، عقوبات، اغتيالات، ضربات محدودة، ثم عودة إلى البحث عن مخرج سياسي.

‏إيران، وفق سرديتها، لا ترى في التهديد دليل قوة، بل دليل عجز عن فرض الإرادة بالوسائل الطبيعية. فلو كانت واشنطن قادرة على حسم الملف بالقوة من دون كلفة هائلة، لما احتاجت إلى كل هذا التلويح والوساطات والرسائل غير المباشرة.

‏جوهر المسألة في اليورانيوم ليس تقنيًا فقط، بل سيادي ورمزي واستراتيجي. أن تسلّم إيران اليورانيوم تحت التهديد يعني، في العقل الإيراني، أنها قبلت بتجريد نفسها من حقها تحت فوهة المدفع. وهذا ما لا يستطيع أي نظام في طهران، مهما كان براغماتيًا، أن يفعله من دون أن يضرب شرعيته في الداخل. لذلك، فالتمسك بالملف النووي لا يُقرأ إيرانيًا كعناد فارغ، بل كخط دفاع عن السيادة، وعن مبدأ أن الحقوق لا تُنتزع بالتهديد العسكري.

‏صحيح أن إيران تعيش أزمة اقتصادية خانقة، وأن العقوبات أنهكت المجتمع والدولة، لكن الخطأ الأميركي الدائم هو الإعتقاد بأن الضيق الاقتصادي ينتج تلقائيًا استسلامًا سياسيًا.

‏التاريخ الإيراني الحديث يقول العكس. كلما اشتد الضغط الخارجي، ازداد النظام قدرة على تعبئة الداخل حول خطاب الصمود والسيادة والكرامة الوطنية. قد يختلف الإيرانيون على النظام، وعلى الاقتصاد، وعلى الحريات، لكن لحظة التهديد الخارجي تمنح السلطة فرصة لإعادة تعريف الصراع بوصفه معركة وطنية لا مجرد أزمة نظام.

‏أما مضيق هرمز، فهو ليس مجرد “قشة” تتمسك بها إيران قبل الغرق، بل ورقة ردع استراتيجية يعرف الجميع ثقلها.

‏طهران لا تحتاج إلى إغلاقه بالكامل كي تربك العالم. يكفي أن ترفع منسوب الخطر حوله حتى ترتفع أسعار الطاقة، وتهتز الأسواق، وتتوتر العواصم التي لا تريد حربًا مفتوحة. لهذا السبب تحديدًا، لا تتعامل دول المنطقة مع التصعيد بخفة. الجميع يعرف أن الضربة الأولى قد تكون أميركية، لكن التداعيات لن تكون أميركية فقط.

‏السردية الإيرانية لا تقول إن طهران تريد حربًا شاملة. بالعكس، إيران غالبًا لا تريد الحرب الآن، لكنها تريد أن يفهم خصومها أن تجنب الحرب لا يعني قبول الإذلال. هناك فرق كبير بين تجنب الإنتحار الإستراتيجي وبين الإستسلام.

إيران قد تختار ردًا محسوبًا، وقد تؤجل، وقد تترك الغموض سيد الموقف، لكنها لن تمنح واشنطن مشهدًا دعائيًا تقول فيه إن الجمهورية الإسلامية سلّمت أوراقها خوفًا.

‏لذلك، فالمشهد ليس إنذارًا أخيرًا لإيران بقدر ما هو اختبار أخير للعقل الأميركي. هل تستطيع واشنطن أن تميز بين الضغط والتهور؟

‏هل تفهم أن ضرب المنشآت لا يعني ضرب الإرادة؟

‏وهل تدرك أن إيران التي قد تبدو متعبة من الداخل لا تزال قادرة على جعل كلفة الحرب أكبر من مكاسبها؟

‏من هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل بقي لدى النظام الإيراني عقل سياسي؟ بل: هل بقي لدى واشنطن عقل استراتيجي يمنعها من تكرار أوهام القوة؟ فإيران، في سرديتها، لا تراهن على الإنتصار السريع، بل على الصبر الطويل.

‏ وهي تعرف أن خصمها قوي، لكنها تعرف أيضًا أن القوة حين تفقد الحكمة تتحول إلى عبء على صاحبها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى