‏حين تحتلّ الأرض ولا تملك المصير.

‏حين تحتلّ الأرض ولا تملك المصير.

‏ب✍️محمد الجوهري.

‏ليست الدرون مجرد آلة صغيرة تحلّق فوق الجبهة، بل هي علامة على تحوّل أعمق في معنى الحرب نفسها. فالقوة التي كانت تقاس بالدبابة والجرافة والخطوط المتقدمة، باتت تصطدم اليوم بكائن تقني صغير، رخيص، مرن، ولا يعترف كثيرًا بالخرائط التي يرسمها الجنرالات على الطاولات.

‏التقدم البري قد يحتل أرضًا، لكنه لا يحتل الإحتمال. يستطيع أن يغيّر شكل الميدان، لكنه لا يستطيع أن يلغي فكرة كامنة في العقول، ولا أن يطارد اليد التي تضغط الزر من مكان غير مرئي.

‏هنا تكمن المعضلة الوجودية للجيش المتفوق تقنيًا: أن يمتلك فائض القوة، لكنه يعجز عن السيطرة على فائض اللامركزية.

‏درونات FPV ليست فقط سلاحًا؛ إنها تعبير عن فلسفة مقاومة تقوم على تفكيك احتكار القوة.

‏لم يعد المقاتل مضطرًا لأن يظهر كاملًا في الميدان كي يكون حاضرًا فيه. فحضوره صار موزعًا، متقطعًا، شبحيًا، يظهر في لحظة الإصطدام ثم يختفي في اتساع الجغرافيا. وهذا بالضبط ما يجعل السيطرة البرية عاجزة عن تقديم جواب نهائي: لأنها تبحث عن مركز، بينما التهديد صار بلا مركز واضح.

‏في الحروب القديمة، كان التقدم يعني الإقتراب من الحسم. أما اليوم، فقد يعني الإقتراب من دائرة أوسع من الإستنزاف. فكل متر جديد تسيطر عليه القوة المتقدمة لا يلغي بالضرورة الخطر، بل قد يفتح أمامها مساحات تماس جديدة مع تهديدات أكثر مرونة وأقل كلفة وأكثر قدرة على المناورة.

‏هنا تصبح الأرض عبئًا بقدر ما هي مكسب، ويصبح الإحتلال امتحانًا دائمًا لا لحظة انتصار.

‏تجربة الحرب الروسية الأوكرانية كشفت أن الجيوش الكبرى تستطيع تدمير مواقع، واستهداف فِرَق، وتطوير وسائل تشويش، لكنها لا تستطيع ببساطة إلغاء هذا النمط من القتال. لأن الدرون لا تنتمي فقط إلى السلاح، بل إلى بنية الحرب الجديدة: حرب الأفراد، والشبكات الصغيرة، والمبادرة الميدانية، والقدرة على تحويل الضعف المادي إلى ذكاء عملياتي.

‏من هذا المنظور، يدرك الإسرائيلي أن التقدم البري ليس حلًا مثاليًا لمعضلة الدرونات. هو ربما محاولة لإنتاج صورة سيطرة، وإعادة ترميم هيبة ميدانية، وفرض وقائع قبل لحظة سياسية قريبة. لكنه في العمق لا يجيب عن السؤال الأصعب: كيف يمكن لجيش ثقيل أن يهزم تهديدًا خفيفًا لا يطلب منه المواجهة المباشرة، بل يستنزفه من الهوامش؟

‏هنا تبدو المقاومة لا كقوة تقليدية تنافس الجيش في حجمه، بل كفكرة تقاتل بمنطق مختلف. قوتها ليست في أنها تمنع العدو من التقدم دائمًا، بل في أنها تجعل تقدمه مكلفًا، قلقًا، ناقصًا، وغير قادر على إعلان نهاية المعركة. إنها لا تحتاج إلى احتلال المشهد كله كي تؤثر فيه؛ يكفيها أن تبقي الخطر مفتوحًا، وأن تمنع العدو من تحويل السيطرة إلى طمأنينة.

‏ولهذا، فإن شهية الدرونات ليست تفصيلًا تقنيًا، بل استعارة سياسية: فكلما تمددت القوة الثقيلة، اتسعت احتمالات افتراسها من أدوات صغيرة لا تمنحها معركة نظيفة ولا نصرًا كاملًا. وحين يصبح وقف إطلاق النار قريبًا، يتحول التمدد السريع إلى سباق على الصورة أكثر منه بحثًا عن الحسم.

‏يريد العدو أن يصل إلى السياسة وفي يده خريطة ميدانية أوسع، لكن المقاومة تريد أن تذكّره بأن الخريطة لا تكفي، وأن الأرض التي لا تمنح الأمان لا تتحول إلى نصر.

‏في النهاية، ليست المسألة أن الدرون وحدها تغيّر ميزان الحرب، بل أن الحرب نفسها تغيّرت. والقوة التي لا تفهم هذا التحول ستظل تطارد أجسادًا في الميدان، بينما تواجه فكرة لا تسكن مكانًا واحدًا.

‏المقاومة هنا ليست فقط من يقاتل، بل من يفرض على العدو أن يشك في معنى تقدمه، وأن يكتشف أن السيطرة على الأرض شيء، والسيطرة على المصير شيء آخر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى