أمريكا أمام لحظة الحقيقة: حين تخسر الإمبراطورية معنى القوة.

ب✍️محمد الجوهري.

‏جون ميرشايمر هو أحد أبرز منظّري الواقعية السياسية في العلاقات الدولية، يرى أن سلوك الدول تحكمه موازين القوة والمصلحة لا الشعارات الأخلاقية.

‏يشتهر بقراءاته النقدية للسياسة الخارجية الأمريكية، وبتحليله لصعود القوى الكبرى وصراعات الهيمنة في النظام الدولي

‏وحين يقول إن أمريكا خسرت الحرب، وإن ترامب عالق في ورطة عميقة لا يعرف الخروج منها، فهو لا يصف حادثة سياسية عابرة، بل يكشف عن مأزق حضاري أعمق: مأزق الإمبراطورية حين تكتشف أن القوة لا تكفي، وأن الهيمنة ليست قدراً أبدياً، وأن التاريخ لا يخضع دائماً لمن يملك الطائرات والبوارج والمصارف والإعلام.

‏هنا لا تعود الحرب مجرد صراع على أرض أو نفوذ أو اتفاق سياسي، بل تصبح مرآة فلسفية كاشفة لحدود الإرادة الإمبراطورية عندما تصطدم بواقع لا تستطيع ابتلاعه ولا إخضاعه ولا إعادة تشكيله على صورتها.

‏لقد قامت الرؤية الأمريكية للعالم، منذ نهاية الحرب الباردة، على وهم فلسفي خطير: أن التاريخ انتهى، وأن النموذج الأمريكي أصبح أفق البشرية النهائي، وأن كل مقاومة لهذا النموذج ليست سوى تأخر عن اللحاق بالعصر.

‏بهذا المعنى، لم تكن الحروب الأمريكية مجرد عمليات عسكرية، بل كانت تعبيراً عن غرور ميتافيزيقي، عن اعتقاد عميق بأن واشنطن لا تتحرك داخل التاريخ مثل بقية الأمم، بل تقف فوقه، توزّع الشرعية، وتحدد من هو العقلاني ومن هو المارق، من يستحق الحياة السياسية ومن يجب عزله أو تدميره.

‏لكن الفلسفة تعلمنا أن كل قوة تحمل في داخلها بذرة فنائها عندما تتحول إلى يقين مطلق.

‏الإمبراطورية لا تسقط فقط عندما يهزمها عدوها، بل عندما تفقد قدرتها على فهم العالم كما هو، وتصرّ على رؤيته كما تشتهي.

‏هنا تكمن المأساة الأمريكية: ليست في أنها دخلت حرباً وخسرتها، بل في أنها دخلت الحرب وهي أسيرة لغة لم تعد قادرة على تفسير الواقع.

‏كانت تعتقد أن الضغط ينتج الخضوع، وأن العقوبات تصنع الإنهيار، وأن التفوق العسكري يلغي الإرادة، وأن الخوف يمكن أن يتحول إلى نظام سياسي دائم.

‏لكنها اكتشفت، متأخرة، أن الإنسان لا يقاس فقط بحجم موارده، وأن الشعوب لا تُفهم فقط عبر مؤشرات الإقتصاد، وأن الإرادة التاريخية قد تصمد حيث تفشل الحسابات الباردة.

‏من هنا يصبح ترامب، في هذه القراءة، ليس مجرد رئيس مرتبك، بل رمزاً لأزمة أعمق في العقل السياسي الأمريكي.

‏إنه رجل جاء إلى السلطة بشعار القوة العارية: الصفقات، الضغط، التهديد، الإذلال، ثم انتظار الإستسلام.

‏لكنه وجد نفسه أمام حقيقة فلسفية قاسية: ليست كل الأشياء قابلة للبيع والشراء، وليست كل الأمم تدخل السوق كسلعة تفاوضية، وليست كل المعارك تنتهي بتوقيع يُلتقط أمام الكاميرات.

‏ترامب أراد أن يحوّل السياسة الخارجية إلى مسرح استعراض، لكنه اصطدم بعالم لا يزال يؤمن بأن للكرامة وزناً، وأن للسيادة معنى، وأن للهزيمة والنصر مقاييس لا تحددها نشرات البيت الأبيض.

‏الورطة العميقة التي يتحدث عنها ميرشايمر ليست إذاً ورطة تكتيكية فقط. إنها ورطة الوعي الأمريكي حين يواجه حدود ذاته. فترامب لا يستطيع أن يعلن النصر لأن الواقع يكذّبه، ولا يستطيع أن يعترف بالخسارة لأن الإمبراطورية لا تملك لغة الاعتراف.

‏الإمبراطوريات لا تقول عادة: أخطأنا. إنها تقول: نعيد التموضع. لا تقول: هُزمنا. إنها تقول: نراجع الاستراتيجية. لا تقول: فشلنا في كسر الخصم. إنها تقول: ما زالت كل الخيارات على الطاولة. لكن خلف هذه اللغة الدبلوماسية الباردة، هناك حقيقة عارية: القوة التي لا تحقق أهدافها تتحول إلى عبء، والتهديد الذي لا ينتج نتيجة يتحول إلى دليل عجز، والحرب التي لا تنتهي بانتصار تصبح سجناً لمن بدأها.

‏فلسفياً، نحن أمام لحظة انكشاف للفرق بين القوة والقدرة. القوة هي امتلاك أدوات الإكراه. أما القدرة فهي تحويل هذه الأدوات إلى نتائج سياسية مستقرة. أمريكا تمتلك القوة، لكنها تفقد القدرة. تمتلك السلاح، لكنها لا تمتلك المعنى. تمتلك النفوذ، لكنها لا تمتلك الشرعية. تمتلك القدرة على التدمير، لكنها تعجز عن بناء نظام يرضخ لإرادتها من دون مقاومة. وهذه هي المفارقة الكبرى في عصر الأفول الإمبراطوري: أن الدولة الأعظم مادياً قد تصبح عاجزة استراتيجياً، لأن العالم لم يعد يخاف منها كما كان، ولأن خصومها تعلموا كيف يصمدون، وكيف ينتظرون، وكيف يحولون الزمن إلى سلاح.

‏في المقابل، تكشف هذه اللحظة أن التاريخ لم ينتهِ، بل كان ينتظر عودة المأساة والصراع والإرادة. فالسياسة، كما يراها الواقعيون، ليست ساحة أخلاق مجردة، بل صراع قوى ومصالح وبقاء. لكن ما يغيب أحياناً عن الواقعية الباردة هو أن المصالح نفسها لا تنفصل عن الهوية والذاكرة والمعنى. حين تقاتل أمة دفاعاً عن موقعها أو كرامتها أو تصورها لذاتها، فإنها لا تقاتل بمنطق الحساب المادي فقط. إنها تستدعي تاريخها كله.

لذلك تفشل الإمبراطوريات حين تختصر خصومها في أرقام وتقارير استخباراتية، وتنسى أن في السياسة شيئاً لا يمكن قياسه بسهولة: الكبرياء الجماعي.

‏إن مأزق ترامب هو مأزق من يريد الخروج من النفق من دون أن يعترف بأنه دخل النفق خطأ. يريد أن يحافظ على صورة الرجل القوي، لكنه يواجه نتيجة الضعف البنيوي للاستراتيجية الأمريكية. يريد أن يبدو صانع انتصارات، لكن الوقائع تدفعه نحو إدارة خسارة. يريد تسوية بشروطه، لكن الخصم يعرف أن الزمن لم يعد أمريكياً بالكامل. وهنا تصبح السياسة مسرحاً عبثياً: رئيس يهدد لأنه لا يستطيع أن يحسم، يصعّد لأنه لا يعرف كيف يتراجع، ويطلب نصراً رمزياً لأن النصر الحقيقي أفلت من يده.

‏الأعمق من ذلك أن أمريكا تواجه اليوم سؤالاً فلسفياً لم تعد قادرة على الهروب منه: ماذا يبقى من الإمبراطورية عندما لا يعود العالم يصدق أسطورتها؟ فكل هيمنة تحتاج إلى رواية كبرى تبررها. كانت الرواية الأمريكية تقول إنها تقود العالم الحر، وتحمي النظام الدولي، وتنشر الديمقراطية، وتحارب الفوضى. لكن هذه الرواية تآكلت مع الحروب والعقوبات والازدواجية ودعم الاحتلالات والانقلابات. وحين تسقط الرواية، تبقى القوة وحدها عارية، والقوة العارية لا تصنع احتراماً، بل تصنع خوفاً مؤقتاً وكراهية طويلة.

‏لهذا تبدو خسارة أمريكا، في معناها الفلسفي، أكبر من خسارة جولة. إنها خسارة احتكار المعنى. لم تعد واشنطن قادرة على إقناع العالم بأنها قدره النهائي. لم تعد قادرة على تحويل إرادتها إلى قانون كوني. لم تعد تستطيع أن تجعل خصومها يشعرون بأن مقاومتها عبث. وهذا بحد ذاته تحول تاريخي هائل. فالإمبراطوريات تبدأ بالانهيار حين يكتشف الآخرون أن عصيانها ممكن، وأن البقاء خارج أوامرها ليس انتحاراً، وأن الصمود أمامها يمكن أن يفتح باباً لعالم مختلف.

‏وفي النهاية، ما يقوله ميرشايمر، إذا قرأناه فلسفياً، هو أن أمريكا لم تخسر لأنها ضعيفة، بل لأنها بالغت في فهم قوتها. وترامب ليس في ورطة لأنه أخطأ في تفصيل صغير، بل لأنه يمثل عقلاً سياسياً يظن أن العالم يُدار بالإنذار النهائي. غير أن العالم أكثر تعقيداً من تهديد، وأعمق من صفقة، وأقسى من استعراض. وحين تكتشف الإمبراطورية أن خصمها لم ينكسر، وأن الزمن لا يعمل لمصلحتها وحدها، تبدأ اللحظة التي يخافها كل طغيان: لحظة الحقيقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى