الكمين الوجودي: حين يلتقي الزمن بالإرادة في ميدان لا يرحم..

‏ب✍️محمد الجوهري.

‏ما الحرب؟ سؤال قبل أن يكون ميداناً

‏قال هيغل إن الروح لا تتجلى إلا في الصراع. ليس لأن الصراع هدفٌ بذاته، بل لأنه الإمتحان الوحيد الذي يكشف ما هو حقيقي مما هو مجرد ادّعاء.

‏وما يجري اليوم في جنوب لبنان ليس حرباً بالمعنى الذي تعرفه أكاديميات ويست بوينت أو كتب كلاوزفيتز. إنه مختبرٌ وجودي، حيث يُقاس كل طرف لا بما يملك، بل بما هو عليه في أعماق بنيته.

‏هناك فرق جوهري بين قوة تحارب وفق إرادتها وقوة تحارب وفق إرادة خصمها.

‏فالجيش الإسرائيلي دخل جنوب لبنان مرتدياً قناع المنتصر المسبق.

‏وهذا بالضبط ما يسميه نيتشه "أخطر أشكال الوهم: أن تظن قوتك مطلقة في لحظة تكون فيها في أشد حالات هشاشتك".

‏أولاً: الزمن كسلاح — هيدغر في الخندق

‏قدّم هيدغر الزمانية ليس باعتبارها خلفية للأحداث، بل بوصفها النسيج الذي تُنسج منه الإرادة ذاتها.

‏فالكيان الذي يملك علاقة أعمق بزمنه يملك سلاحاً لا يُصنَّع في مصانع الأسلحة.

‏لذلك فإن الصبر الإستراتيجي الذي مارسه حزب الله طوال عام ونصف لم يكن غياباً.

‏لقد كان حضوراً مختلفاً، حضور الكامن الذي يُحكم إمساكه بالزمن بينما يُحرق خصمُه نفسَه باستعجاله.

‏في الفلسفة الرواقية، كانوا يُميّزون بين  الكرونوس، الزمن المتسلسل العابر، وكايروس، اللحظة الكثيفة المفصلية. الجيش الإسرائيلي يعيش في الكرونوس: ضغط الرأي العام، دورات الأخبار، الكنيست، الإنتخابات. وحزب الله يصطاد في الكايروس: اللحظة االمفصلية التي يختارها هو، بدقة ساعة لا تخطئ.

‏قائد كتيبة مُصاب في موقع مُحصَّن. خمس ميركافا في يوم واحد. جرافة D9 في زوطر. مسيّرة تخترق ثكنة شوميرا.

‏هذه ليست أحداثاً بالمعنى الإخباري. هذه توقيعاتٌ على عقد مع الزمن، كل توقيع يقول: نحن من يملك الإيقاع.

‏ثانياً: قلعة الشقيف — الرمز الذي يكشف فراغه

‏كتب نيتشه في "هكذا تكلم زرادشت": "ليس أسوأ الأعداء من يهاجمك، بل من يجعلك تحارب معاركه بدلاً من معاركك."

‏وزير الدفاع كاتس يتحدث عن دماء عام 1982 فوق قلعة الشقيف..

‏إنه يبيع رمزاً لجمهور يحتاج رمزاً لأن الميدان الحقيقي لا يمنحه شيئاً يبيعه.

‏لكن هنا تحديداً يكمن الفخ الأعمق..

‏قلعة الشقيف نقطة مكشوفة، مرئية من كل اتجاه. وفي المنطق الفينومينولوجي، الرؤية المتبادلة تعني التعرض المتبادل.

‏فكل جندي فيها هو هدفٌ معلَّق في الهواء، كأنه عُرض على منصة ويطلب تصفيقاً قبل أن يُطلق عليه.

‏ما يربحه كاتس رمزياً يدفعه الجندي جسداً.

‏باسكال قال يوماً: "جميع مصائب الإنسان تنبع من عجزه عن الجلوس وحيداً في غرفة."

‏إسرائيل لا تستطيع الجلوس. تحتاج إلى الفعل المرئي، إلى الصورة، إلى الخطاب. والمقاومة تعرف هذا.

‏لذا هي تمنحها الصورة وتحتفظ بالجوهر.

‏ثالثاً: الجبهة الداخلية — فلسفة الإستنزاف الصامت

‏كتبت معاريف ما لا يقوله الجيش: 70% من سكان الشمال لن يعودوا. ليس خوفاً مؤقتاً، بل قراراً. والفيلسوف الفرنسي سيمون دو بوفوار حين تحدثت عن الحرية قالت إن الحرية ليست غياب الإكراه فحسب، بل وجود شروط تجعل الحياة ممكنة. وحين تغيب شروط الحياة العادية، يغيب الإنسان. ليس جبناً. بل كإستجابة منطقية حين تنهار الشروط التي تجعل الحياة اليومية ممكنة وقابلة للإحتمال.

‏هذه هي الإستراتيجية في أبهى صورها الفلسفية: لا تهزم العدو بمعركة واحدة، بل تُفكّك شروط وجوده اليومي. المجتمع المضطرب، المصانع التي وقفت، الصيف الذي لن يأتي.

‏ثلاثة أشهر كافية لتحويل المجتمع المتماسك إلى سؤال يسأل نفسه عن جدوى البقاء.

‏هذا ما أسماه سون تزو "إخضاع العدو دون قتاله"، لكنه هنا يأخذ بُعداً أعمق: إخضاع الروح الجمعية قبل إخضاع الجسد العسكري.

‏رابعاً: نتنياهو وأبطال المأزق — أسطورة سيزيف في الكابينت

‏كامو كتب عن سيزيف وهو يدفع صخرته إلى الأعلى ليراها تتدحرج مجدداً، لا لأنه يؤمن بالإنتصار، بل لأن التوقف يعني الإعتراف.

‏نتنياهو إجتماع الثلاثاء ليس اجتماع قوة. هو اجتماع سيزيف يبحث عن اتجاهٍ لدفع الصخرة.

‏التصعيد على بيروت يفتح جبهات إقليمية لا طاقة لإسرائيل عليها، فضلاً عن أن إيران وضعت شرطها صريحاً: وقف الحرب في لبنان شرط لازم لأي اتفاق. الإنسحاب يكشف عمق الفشل أمام جمهور يسأل: لماذا ذهبتم إذن؟ وكلا الخيارين يمرّ عبر نفس المضيق الضيق: الإعتراف بأن العقيدة كانت خاطئة.

‏ثم جاء الأمس ليضيف طبقةً جديدة على المشهد. تل أبيب تهدد بقصف بيروت، وطهران تردّ بأن دخولها في المعركة بات خياراً مفتوحاً لا مجرد تحذير دبلوماسي. وفي هذه اللحظة بالذات، يتصل ترامب بنتنياهو، لكن الإتصال لم يكن دعماً. كان توبيخاً. واشنطن تضغط لمنع قصف بيروت، ومسعى روبيو لوقف إطلاق النار يبدو على حافة الإنهيار.

‏هذا المشهد يكشف بوضوح فلسفي نادراً ما يمكن تسميته "انكسار الوكالة": الفاعل الذي يظن أنه يقرر، يكتشف أن قراراته تصدر من خارجه. نتنياهو لا يختار بين الضرب والتوقف بناءً على حسابات ميدانية خالصة، بل بناءً على ضغط الحليف الذي يمسك بمفتاح الغطاء من جهة، وتهديد الخصم الذي يمسك بمفتاح الإتفاق النووي من جهة أخرى. بمعنى آخر: إسرائيل تحارب لكنها لا تملك حرب نفسها.

‏وهذا بالضبط ما وصفه هيغل بـ"الوعي التعيس": الذات التي تسعى إلى تحقيق إرادتها لتجد أن إرادتها ذاتها مُصادَرة بين قوتين لا تملك إحداهما ولا تستغني عن أيٍّ منهما. ترامب يقول لا لقصف بيروت، وإيران تقول لا للإتفاق إلا بوقف الحرب في لبنان. وبين هذين الـ"لا"، يجلس نتنياهو يبحث عن "نعم" لا وجود لها في الخريطة.

‏هنا تتجلى العبقرية الإستراتيجية لحزب الله بأبهى صورها: أن يجعل خصمه يصطدم بسقفين في آنٍ واحد، سقف الحليف الأمريكي الذي لا يريد حرباً إقليمية، وسقف الخصم الإيراني الذي يجعل أي اتفاق مشروطاً بوقف ما بدأته إسرائيل. المقاومة لم تُضرَب ببيروت ولم تحمِها بالمعنى العسكري المباشر، لكنها جعلت ضربها مستحيلاً سياسياً قبل أن يكون مستحيلاً عسكرياً. وهذا هو الـ Kairos في أرقى تجلياته: لحظة يتحول فيها المشهد بأسره دون أن تُطلق رصاصة واحدة.

‏هيغل وصف هذه اللحظة بـ"المصير التراجيدي": حين يكتشف الوعي أن مبدأه الأصلي كان منقوصاً، لكنه عاجز عن التخلي عنه لأن التخلي يعني انهيار الهوية بأسرها. إسرائيل لا تخاف الهزيمة العسكرية وحدها.

‏تخاف من السؤال الذي يأتي بعدها: من نحن إذن؟

‏في الخاتمة هناك فرق بين من يحارب ومن يُصطاد

‏الجيش الذي يحتاج إلى قلعة أثرية لبيع صورة انتصار هو جيش يخوض حرب خطاب، لا حرب ميدان.

‏وحزب الله يعرف الفرق بدقة فيلسوف يميّز بين الوجود والمظهر.

‏دخلت إسرائيل هذه الحرب بعقيدة جيش يَكنُس. اكتشفت أنها أمام قوة تَصطاد.

‏والفرق بين الإثنين ليس في العدد ولا في العتاد.

‏الفرق فلسفي في جوهره: من يملك علاقة أعمق مع الزمن، مع الأرض، مع المعنى، يملك بالضرورة علاقة أعمق مع النصر.

‏وحين كتب ابن خلدون عن العصبية، لم يكن يتحدث عن القبيلة. كان يتحدث عن الإرادة الجمعية المتماسكة التي تجعل الجسد الواحد من أفراد يقاتلون معاً لأنهم يعرفون لماذا. وهذا بالضبط ما تبحث عنه إسرائيل في الكابينت ولا تجده، بينما يجده حزب الله في يحمر وزوطر والبياضة وكل تلة تحمل اسماً لا تعرفه خرائط البنتاغون.

‏القوة التي لا تعرف لماذا تحارب ستُهزم حتماً أمام الإرادة التي تعرف

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى