وقفُ النار المُطوَّق: حين تُوقَّع المعاهداتُ على جثث الغائبين.

ب✍️محمد لجوهري.

‏في السياسة، ثمة نوع خاص من الكذب لا يُفحَم أصحابه بالأدلة، لأنهم أتقنوا فن الكذب بالإعلان.

‏يُعلنون ما لا يحدث، ويُحدثون ما لا يُعلنون. وحين تسألهم، يُحيلونك إلى البيانات. وحين تقرأ البيانات، تجدها تُحيلك إلى الوقائع. وحين تُطابق الوقائع بالبيانات، تكتشف أنهما لم يلتقيا قط — كخطَّين متوازيَين في هندسة السياسة الشرق أوسطية، يمتدان إلى ما لا نهاية دون أن يتقاطعا.

‏هذا ما جرى صباح اليوم بين بيروت وواشنطن وتل أبيب.

‏بيانٌ بلا شريك، واتفاقٌ بلا موقّع.

‏أعلنت السفيرة اللبنانية في واشنطن "لحظةً تاريخية"، وشكرت ترامب وفانس وروبيو بدفءٍ لافت، وأبلغت العالم أن لبنان توصّل إلى وقف شامل لإطلاق النار على كامل أراضيه. وفي الوقت ذاته، كان محمود قماطي، القيادي في حزب الله، يقول ببساطة مُجرِّدة: "لا يوجد اتفاق وقف نار."

‏المفارقة ليست في التناقض — فالسياسة عاشت على التناقض منذ أن أُسّست أولى المدن — بل في الهندسة العجيبة لهذا التناقض: أُبرم اتفاقٌ لوقف حرب، دون أن يوقّع عليه الطرف الذي يخوضها فعلياً.

‏حزب الله غائب عن طاولة التفاوض، حاضرٌ في بنود التنفيذ. مطلوبٌ منه أن ينسحب من جنوب الليطاني كشرط مسبق لوقف النار، لكنه لم يُستشَر ولم يُوقِّع.

‏هذا ليس اتفاقاً — هذا إملاء يُلبَس ثوب الدبلوماسية.

‏ولا يزيد الطينَ إلا بلةً أن المسيّرة الإسرائيلية لم تنتظر حتى يجفّ حبر البيان، فاستهدفت محيط دوار كفرمان عند مدخل النبطية بعد ساعات قليلة من الإعلان.

‏هكذا يُفسَّر الإتفاق على الأرض، فالجغرافيا كما يرسمها المنتصر وصاروخٌ يسبق الترجمة.

‏فتصريح المسؤول الأمني الإسرائيلي لا يحتاج إلى تأويل: "يمكننا العمل بحرية في صور وصيدا، لكن بيروت خاضعة." إسرائيل، إذن، لا ترى الإتفاق وثيقةً تُقيِّد حركتها، بل خريطةً تُعرِّف مناطق نفوذها.

‏الجنوب ميدانٌ مفتوح، وبيروت سقفٌ مُدار، ووقف النار لم يوقف الحرب — إنه أعاد تسميتها.

‏نيتشه كان سيقول هنا بنبرته الصارمة إن ما نشهده ليس سلاماً بل "إرادة قوة" مُتنكِّرة في زي الدبلوماسية.

‏القوي لا يوقف قوته حين يُوقِّع — يُعيد توزيعها.

‏والبيان الثلاثي الأمريكي-الإسرائيلي-اللبناني لا يشترط انسحاباً إسرائيلياً ذا جدول زمني ملزم، بينما يشترط انسحاباً فورياً لحزب الله.

‏هذا التفاوت لا يُخفيه أحد، وهذا هو الأشد إيلاماً: أن يُقدَّم الظلم علناً بوصفه توازناً.

‏أما في واشنطن، كان المشهد يحمل سخريةً مضاعفة. صوّت مجلس النواب الأمريكي بأغلبية ضيقة (215 مقابل 208)، وبمشاركة أربعة جمهوريين مارقين، لصالح سحب القوات الأمريكية من العمليات القتالية ضد إيران.

‏فوكس نيوز — شبكة ترامب المحبوبة — سمّت ذلك "هزيمة نادرة"وترامب المكبَّل في أحرج لحظاته.

‏المفارقة أن ترامب، في اللحظة التي يحاول فيها تقديم نفسه صانعاً للسلام في لبنان، شاكراً وممجَّداً في بيروت، وجد يده مُقيَّدة في الملف الأعمق والأخطر: المفاوضات النووية مع طهران. الكونغرس لا يثق بحكمته في إدارة المواجهة مع إيران، وهذا يُضعف ورقته التفاوضية في الوقت الذي يحاول فيه أن يُظهر للعالم أنه يُمسك بزمام المنطقة.

‏هيغل كان سيُسمّي هذا "جدلية السيد والعبد" — السيد الذي يمتلك السلطة يكتشف أن ممارستها تقوده إلى تناقضاتها الداخلية.

‏ترامب يريد الظهور بمظهر المنتصر الدبلوماسي، لكن الإنتصار الدبلوماسي يستلزم مصداقيةً عسكرية، وهذه المصداقية تآكلها التصويت في الكونغرس أمام أعين طهران ذاتها.

‏الذي يحدث حقاً ليس وقف نار — بل ما يمكن تسميته "إدارة توقعات مُدارة بدقة". أطرافٌ متعددة تُعلن انتصارات متناقضة للجمهور الداخلي: الحكومة اللبنانية تُعلن "لحظة تاريخية" لجمهور مُنهَك يتوق للسلام، وإسرائيل تُعلن "حرية العمل" في الجنوب لجمهورها المُستنفَر، وترامب يُعلن "صفقة" لجمهوره الإنتخابي الذي يريد أميركا عظيمة بلا دماء أمريكية، وحزب الله المعني الرئيسي يرفض الإتفاق لجمهوره الذي لن يقبل بأقل من انتصار مُعلَن.

‏كامو كان يصف هذا بالعبث الخالص: الإنسان يبحث عن المعنى، والعالم يرفض إعطاءه إياه.

‏الجنوب اللبناني يبحث عن السلام، والقرار يُعطيه وقفاً لإطلاق النار لا يوقف إطلاق النار.

‏والمواطن يقف بين بيانَين متناقضَين، لا يعرف أيهما يُصدِّق، فيُصدِّق الخوف وحده — وهو الأكثر صدقاً من الجميع.

‏والمتمرد الكاموي الحقيقي ليس الذي يرفض هذا الواقع بالسلاح، بل الذي يرفض الكذب عليه بأن يُسمّيه ما ليس هو: سلاماً، تاريخاً، إنجازاً.

‏المفارقة أن الإتفاق بصيغته الراهنة لن يصمد.

‏ليس لأن الأطراف تريد الحرب، بل لأن بنيته التفاوضية مُعيبة جوهرياً: اشتراطاتٌ على طرف لم يُوقِّع، وحريةٌ ميدانية لطرف يُوقِّع.

‏والمتغير الحقيقي الذي سيُحدد مصير الجنوب ليس في النبطية ولا في صور ولا حتى في بيروت — هو في غرف المفاوضات الإيرانية-الأمريكية.

‏  ما يُحسم في طهران يُرسم في جنوب لبنان.

‏في الختام، ثمة صورة تختصر المشهد: دبلوماسيون يوقِّعون على وثيقة تُعلن ولادة السلام، والمسيّرة تُحلِّق فوق مدخل النبطية في الوقت ذاته.

‏ليس لأن أحداً أخطأ في التوقيت — بل لأن البيان والمسيّرة يخدمان هدفاً واحداً: الأول للتاريخ، والثانية للجغرافيا.

‏وبين التاريخ والجغرافيا، يقف اللبناني حاملاً علَمه ومحمولاً بأحلامه، يُصفِّق لبيانٍ لا يُصوِّت عليه، ويُدفن تحت إتفاقٍ لم يُمضِه.

‏هذا ليس قدره — هذا ما تفعله السياسة حين تُؤثر المشهدية على الحقيقة، والإعلان على الإنجاز.

‏وكما قال هيغل يوماً: ما يصنعه التاريخ لا يدركه أبطاله إلا بعد فواته.

‏  لبنان يعيش هذه اللحظة الهيغلية الكبرى — اللحظة التي لا يعرف فيها أحد إن كان يُعلَن نهاية حرب أم يُفتَتَح بها فصلاً جديداً.

‏والفارق بين الإثنتين، للأسف، لن تكشفه الوثائق — بل ستكشفه المسيّرة القادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى