
*ب✍️محمد الجوهري.
تُقاس شرعية الدول، في لحظات السلم كما في أزمنة الخطر، بقدرتها على الوفاء بوظيفتها الأولى: الحماية. ليست السيادة امتيازًا ميتافيزيقيًا، بل التزامًا تعاقديًا، يتأسس—كما صاغه هوبز ولوك وروسو—على معادلة دقيقة: الأمن مقابل الطاعة، والكرامة مقابل الخضوع للقانون.
وعندما تختل هذه المعادلة، لا تتصدع السياسة فحسب، بل يتشقق الأساس الأخلاقي الذي تقوم عليه الدولة ذاتها.
في الحالة اللبنانية الراهنة، يُعاد طرح هذا السؤال الجوهري مع كل اتفاق يُبرم تحت وطأة التهديد أو في ظل اختلال موازين القوى، وعلى رأسها الاتفاقية الأخيرة مع إسرائيل.
هل يملك كيان عاجز عن صون حدوده وردع الإعتداءات أن يبرم اتفاقًا باسم شعبه؟
أم أن هذا الفعل بحد ذاته يُعد امتدادًا لأزمة الشرعية، لا حلًا لها؟..
يُعلّمنا جون لوك أن الدولة التي تفشل في حماية حياة مواطنيها وممتلكاتهم تفقد مبرر وجودها، فالحماية هنا ليست شعارًا سياديًا، بل شرطًا وجوديًا.
وفي السياق اللبناني، حيث يتكرر خرق السيادة، ويُترك المواطن في مواجهة الخطر دون مظلة ردع فعالة، يصبح أي اتفاق يُبرَم تحت هذا العجز أقرب إلى تنازلٍ قسريٍ منه إلى تعبيرٍ حر عن الإرادة الوطنية.
أما روسو، فيذهب أبعد من ذلك حين يربط الشرعية بـ"الإرادة العامة". هذه الإرادة لا تُختزل في توقيع رسمي، بل تتجلى في شعور جماعي بالتمثيل والكرامة. فإذا ما أُبرمت اتفاقيات مصيرية دون تفويض شعبي حقيقي، أو في ظل انقسام عميق حولها، فإنها تفقد جوهرها السيادي، حتى وإن استوفت الشكل القانوني. الدولة هنا لا تعود معبرة عن شعبها، بل متقدمة عليه، وربما مفروضة عليه.
من زاوية أخرى، يقدّم هوبز تصورًا صارمًا للدولة كـ"ليفياثان"—قوة ضامنة تمنع الإنزلاق إلى الفوضى. لكن هذا الوحش الحامي يفقد مهابته حين يعجز عن ردع العدوان، أو حين يتحول إلى وسيط لعجزه، يترجمه في اتفاقيات تكرّس الإختلال بدل معالجته.
عند هذه النقطة، لا يعود الخطر هو الفوضى الطبيعية، بل "فوضى مقنّعة" داخل إطار رسمي، حيث تُدار الأزمات بدل حلها.
في القانون الدولي المعاصر، لم تعد السيادة حصنًا مغلقًا، بل مسؤولية مشروطة.
فمبدأ "مسؤولية الحماية" يقرّ بأن الدولة التي تعجز عن حماية شعبها تفقد احتكارها الأخلاقي للقرار السيادي. وإذا كان هذا المبدأ يُستخدم غالبًا لتبرير التدخل الخارجي، فإنه يصلح أيضًا كمعيار داخلي للحكم على مشروعية القرارات الكبرى.
اتفاق يُبرم دون قدرة فعلية على فرض شروط عادلة، أو دون ضمانات حقيقية للأمن، يطرح سؤالًا مشروعًا: لمن تُمارَس السيادة هنا؟ ولصالح من؟
قد يُقال إن الواقعية السياسية تفرض القبول بما هو ممكن، لا بما هو مثالي. وهذا صحيح جزئيًا. غير أن الواقعية، كما يوضح مايكل والزر في نظريته حول الحروب العادلة، لا تعني التخلي عن الحد الأدنى من العدالة، بل إدارة القوة ضمن حدود أخلاقية.
وإتفاق يفتقر إلى التوازن، أو يُبرم تحت ضغط الخوف، لا يُعد تعبيرًا عن حكمة سياسية بقدر ما هو انعكاس لخلل بنيوي في القدرة على الفعل.
في التاريخ، لم تُستمد شرعية الإتفاقات من توقيعها، بل من قدرتها على تثبيت الإستقرار العادل.
معاهدة تُوقّع في ظل اختلال عميق، دون معالجة جذور التهديد، تتحول إلى هدنة مؤقتة، لا إلى سلام مستدام. والأسوأ، أنها قد تكرّس سابقة خطيرة: أن العجز يمكن أن يُترجم إلى التزام طويل الأمد.
لبنان، بتكوينه الهش وتاريخه المثقل بالتدخلات، ليس في موقع يسمح له بتحمّل اتفاقيات ملتبسة الشرعية. فالدولة التي لم تحسم احتكارها للعنف المشروع، ولم تبنِ بعد منظومة دفاع وطني جامعة، تجد نفسها تفاوض من موقع منقوص، حيث تختلط السيادة بالتسويات، والقرار بالإكراه.
من هنا، لا يُفهم رفض هذه الإتفاقية بوصفه موقفًا انفعاليًا أو أيديولوجيًا، بل كإمتداد منطقي لفكرة فلسفية راسخة: لا شرعية لسلطة تعجز عن الحماية، ولا إلزام لإتفاق لا يعكس إرادة شعبية حرة وقادرة.
السيادة ليست توقيعًا على ورق، بل قدرة على الفعل، واستعداد لتحمّل تبعاته.
في النهاية، الدولة—كما قال لينكولن—هي "من الشعب، ولأجل الشعب".
فإذا اختل هذا المسار، لا يعود الإعتراض خروجًا عن النظام، بل دفاعًا عن معناه الأصلي.
ورفض الإتفاق، في هذا الإطار، ليس رفضًا للسلام، بل رفضًا لسلامٍ يُبنى على عجز، لا على توازن؛ وعلى خوف، لا على إرادة.



