
ب✍️*محمد الجوهري.
لم تُطلق إيران هذه المرة صاروخاً ولا مسيّرة.
ردّها جاء في جملة واحدة: «إيران لم توافق بعد على أي وثيقة تفاهم مع أميركا».
ظاهرياً، يبدو هذا النفي خبراً تقنياً من كواليس التفاوض. لكن إذا قرأناه في سياق تاريخ طويل من الهيمنة والإبتزاز، سنكتشف أنه ردٌّ فلسفي بامتياز: رفضٌ لأن تُسجَّل في دفاتر القوة العالمية معركة على أنها «نجاح دبلوماسي أميركي»، بينما الحقيقة – من وجهة النظر الإيرانية – أن ميزان الإكراه لم يتغيّر بعد بما يكفي كي تتحوّل الورقة إلى توقيع.
في السردية الأميركية، إلغاء الضربات يُقدَّم دائماً كقرار من طرف واحد: رئيسٌ «يتسامى» على رغبته في القصف، أو «يكافئ» خصمه على سلوك معيّن، أو يمنح الفرصة لاتفاق وشيك. في المقابل، يأتي النفي الإيراني ككسرٍ لهذا الإخراج المسرحي: لا وثيقة نهائية، لا تفاهم مُلزِم، ولا تنازل مجاني يمكن تسويقه للجمهور الغربي على أنه انتصار ضغط العقوبات والقوة الخشنة.
بهذا المعنى، الجملة التي تنفي التفاهم ليست مجرد تصحيح خبري؛ إنها رفض لأن يُروى تاريخ اللحظة بأقلام خصومك.
فلسفياً، ما تفعله طهران هنا هو استرداد حقّ تعريف الفعل السياسي: من يملك حق القول إننا «تفاهمنا» أو «تراجعنا» أو «قبلنا»؟
في منطق الهيمنة، يكفي أن يعلن المركز روايته حتى تتحوّل إلى حقيقة متداولة: وسائل الإعلام، مراكز الأبحاث، الأسواق، كلها تتعامل مع خطاب البيت الأبيض باعتباره الوصف الرسمي للعالم.
أما حين تقول إيران، بلسان مصادرها، إنها لم توافق على أي وثيقة، فهي تعلن أن اللغة نفسها ساحة صراع: أن تسمية الورقة «تفاهمًا» أو «مسودة مفروضة» ليست تفصيلاً لغوياً، بل تحديداً لموقعك: شريكاً أم مُرغَماً.
هذا النفي يحمي شيئاً أعمق من مجرد «موقف تفاوضي»: يحمي صورة الذات أمام شعبها وأمام شعوب المنطقة.
أن تقبل، تحت وابل القصف والعقوبات، بوثيقة لا تضمن لك سيادتك وحقوقك، ثم تُقدَّم هذه الوثيقة للعالم كـ«صفقة عادلة»، يعني أن تتحوّل صورتك إلى دولة قايضت كرامتها السياسية ببعض الأكسجين الإقتصادي. إيران، بامتناعها حتى الآن عن التوقيع وبتأكيدها العلني أنها «لم توافق بعد»، تقول لجمهورها وللعرب من حولها: لم نُمنَح بعد اتفاقاً يحفظ الجوهر، كي نُتَّهَم ببيعه.
من زاوية أخرى، هذا الرد هو أيضاً احتجاج على إيقاع الزمن الأميركي.
واشنطن مستعجلة: دورة انتخابية تضغط، أسواق قلقة، لوبيات تريد «إنجازاً».
لذلك تسوِّق لفكرة أن «الإتفاق قريب»، وأن كل شيء بات مسألة تفاصيل تقنية.
النفي الإيراني يبطئ هذا الزمن، يعيده إلى حجمه الطبيعي: لا إتفاق بلا مضمون عادل، ولا ورقة تُختَزَل إليها حرب وسنوات من الدم والحصار. كأن طهران تقول: لن نُسرِع التاريخ لأنكم تريدون صورة انتصار على الشاشة قبل يوم الإقتراع.
الأهم أن هذا النفي لا يأتي من موقع مَن يشعر بثقة مطلقة أو قوة فائضة؛ بل من موقع مَن اختار أن يتحمّل استمرار الألم على أن يُصادِق على كذبة سياسية.
من السهل قبول «وثيقة تفاهم» ملتبسة، ثم ترك الزمن يتكفّل بتفريغها من الداخل.
لكن إيران، وهي تدرك كلفة الحصار والحرب على مجتمعها، تختار هنا منطقاً آخر: أن تتحمّل ثمن الرفض ما دام الإتفاق المقترَح لا يغيّر بنية الإكراه، بل يجمّلها.
هذا موقف أخلاقي بقدر ما هو سياسي: أن تقول لا حين يكون قول نعم خيانةً للصورة التي تشكّلت بها نفسك أمام شعبك والعالم.
في النهاية، الجملة الإيرانية القصيرة – «لم نوافق على أي وثيقة تفاهم» – ليست مجرد تعليق على خبر، بل عنوان لمرحلة: مرحلة تعلن فيها دولة من دول الجنوب أنها لن تسمح بكتابة قصتها من دونها، لا على الورق ولا في الهواء. في عالمٍ يملك فيه الأقوياء طائرات وصواريخ ومنصّات إعلام، يصبح حقّ الضعفاء النسبيين في نفي الرواية أحد أشكال المقاومة.
هنا، النفي ليس فراغاً؛ إنه امتناعٌ مليء بالمعنى، يترك الباب مفتوحاً أمام تفاهم حقيقي، لكنه يغلقه في وجه كل محاولة لتحويل الضغط العسكري إلى أسطورة انتصار دبلوماسي لا وجود له إلا في خطاب المنتصر.



