
ب✍️محمد الجوهري
حين يخرج وزير خارجية لبنان، يوسف رجي، ليصف الشعب الإيراني بأنه «شعب عريق ذو حضارة عظيمة» ثم يعلن أنه «رهينة نظام شمولي مطلق منذ قرابة 50 عامًا»، يبدو الكلام في ظاهره دفاعًا عن شعب ضد سلطة متغوّلة.
لكن ما إن نضع التصريح في سياقه السياسي والتاريخي حتى يتحول المشهد إلى شيء آخر: مسؤول ينتمي إلى حزب ذي سجل دموي ثقيل في لبنان يتحدث بلغة الواعظ الأخلاقي عن قمع بعيد، متجاهلًا إرث العنف الذي خرج هو نفسه من رحمه.
يوسف رجي ليس تكنوقراطًا محايدًا ولا وجهًا جديدًا على الحياة العامة.
هو ابن حزب «القوات اللبنانية»، الذي بدأ كميليشيا طائفية مسلحة في أتون الحرب الأهلية عام 1976، تحت مظلة ما عُرف بـ«الجبهة اللبنانية» وبتمويل ودعم خارجي، لا سيما من إسرائيل والولايات المتحدة.
هذا التنظيم، الذي أعاد لاحقًا تقديم نفسه كحزب سياسي «عصري»، لم يجرِ حتى اليوم مراجعة جديّة لتاريخه الميليشيوي، ولا اعتذارًا صريحًا عن دوره في مجازر وعمليات تهجير واغتيال طالت لبنانيين وفلسطينيين وسوريين على الأراضي اللبنانية.
من هنا، يصبح حديث رجي عن «الحق الإلهي المزعوم» و«النظام المطلق» في مكان آخر، أقرب إلى خطاب انتقائي يخدم محورًا إقليميًا ودوليًا، منه إلى موقف مبدئي منسجم مع ذاته.
تاريخ لا يريدو
تاريخ «القوات اللبنانية»تاريخ لا يريدون الإعتراف به إذ ليس تفصيلًا تقنيًا في سيرة حزب لبناني، بل نموذج مكثّف لما يمكن أن تنتجه الميليشياوية الطائفية عندما تُترك بلا محاسبة.
فقد وُلدت «القوات» كجناح عسكري للجبهة اليمينية المسيحية، وخاضت حروبًا ضد منظمة التحرير الفلسطينية وقوى الحركة الوطنية اللبنانية، ثم ضد خصوم مسيحيين في ما سُمّي «حرب الإلغاء»، بل واصطدمت بالجيش اللبناني نفسه في بعض المراحل.
وراء هذه العناوين تقف سلسلة من المجازر والجرائم الموثّقة، ضد فلسطينيين ولبنانيين وسوريين، من الكرنتينا وتل الزعتر إلى مجازر الشمال، وصولًا إلى صبرا وشاتيلا التي نُفّذت تحت عين وحماية الإحتلال الإسرائيلي عام 1982.
تقارير أممية وغربية، فضلًا عن شهادات لبنانية، حمّلت الميليشيات المسيحية التي تشكلت منها «القوات» مسؤولية مباشرة عن هذه الجرائم أو مشاركة فيها، فيما وفّر جيش الإحتلال الغطاء العسكري والسياسي.
ليس هذا مجرد ماضٍ بعيد؛ فزعيم الحزب الحالي، سمير جعجع، نفسه، أُدين في لبنان على خلفية اغتيالات وجرائم ارتُكبت أواخر الحرب، بينها إغتيال رئيس الحكومة رشيد كرامي وتفجير كنيسة سيدة النجاة، ثم أُطلق سراحه بعد 2005 بقرار سياسي في مناخ «المصالحة» و«إعادة تدوير النخب».
ومع ذلك، لم تترافق عودة «القوات» إلى الحياة السياسية مع أي اعتراف حقيقي بالذنب أو مراجعة نقدية تليق بحجم الدم الذي سُفك بإسمها.
من موقع هذا التاريخ تحديدًا، يهاجم وزير خارجيتها اليوم «نظامًا شموليًا» ويتحدث عن «سفك دماء شعب» بوصفه جريمة مطلقة.
السؤال البديهي الذي يفرض نفسه على أي قارئ عربي: ماذا عن دماء الشعوب التي أُهرقت هنا، في بيروت والجبل والشمال والمخيمات، على أيدي الميليشيا التي خرج منها حزبك؟
لا يحتاج أحد في لبنان ولا في العالم العربي إلى دروس إضافية في توصيف اختلالات النظام السياسي في إيران، أو في انتقاد تدخلات طهران الإقليمية عبر حلفاء محليين في أكثر من ساحة.
من حق أي لبناني، ومنهم يوسف رجي، أن ينتقد نفوذ إيران في بلده، أو دور الحرس الثوري، أو تسليح حزب الله، أو حتى ممارسات السلطة في الداخل الإيراني.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا النقد إلى ترجمة شبه حرفية لخطاب عواصم إقليمية عدوة ودولية متصهينة، تُسقط على إيران كل الشرور وتبرّئ نفسها من كل مسؤولية عن خراب المنطقة، من الإحتلال والعدوان، إلى الحصار والعقوبات والحروب المفتوحة، من العراق إلى فلسطين.
وعندما يصدر هذا الخطاب عن وزير ينتمي إلى حزبٍ اتُّهم تاريخيًا بالتنسيق العلني مع إسرائيل خلال اجتياح لبنان، يصبح من الصعب تصديق أنه دفاع مبدئي عن «حرية الشعب الإيراني» لا استثمار في ورقة إيران ضمن تصفية حساب أوسع مع محور بأكمله.
الإستبداد لا يُواجه بإنتقائية، والدم لا يصير أقلّ قيمة لأنه سال في صبرا أو مخيم اليرموك أو غزة بدلًا من طهران أو أصفهان.
من يريد أن يرفع لواء «حقوق الشعوب» عليه أن يطبّق المقياس نفسه على الضحايا كلهم، لا أن يختار ما يناسب محوره ويُسقط الباقي من الحساب.
نعم من حق الإيرانيين أن يناضلوا ضد أي شكل من أشكال القمع أو الفساد أو الإستبداد.
ومن حق العرب أن يتضامنوا معهم، كما يتضامنون مع الفلسطينيين والعراقيين والسوريين واليمنيين وسواهم من ضحايا الأنظمة والحروب.
لكن من واجب وزير خارجية لبنان، قبل أن يوزّع شهادات في الحرية على شعوب المنطقة، أن يعترف بأن شعبه هو الآخر رهينة منظومة سياسية طائفية وفاسدة، شارك حزبه في تكوينها وإدامتها منذ نهاية الحرب الأهلية وحتى الإنهيار المالي الأخير.
أي معنى لخطاب الحرية يصدر عن طبقة سياسية نهبت الدولة، وأسقطت العملة، ودفعت الشباب إلى الهجرة، وتركت ملايين اللبنانيين تحت خط الفقر، ثم رفعت إصبع الإتهام إلى الخارج فقط، سواء كان هذا الخارج إيران أو غيرها؟
وأي مصداقية لوزير يتحدّث عن «أنظمة مطلقة» فيما حزبه ذاته لم يعتذر بعد عن ماضيه، ولم يُسائل نفسه عن مئات أو آلاف الضحايا الذين سقطوا في سياق مشروعه الميليشيوي؟
يوسف رجي لا يتحدث اليوم كمحلل في قناة تلفزيونية، بل كوزير خارجية لدولة عربية ما زالت جزءًا من خريطة الصراع المفتوحة، بين احتلال إسرائيلي مستمر، ومحاور إقليمية متصارعة، وشعوب تبحث عن مخرج من أنقاض الحرب والفساد وبالتالي فإن الكلمة مسؤولية مضاعفة عندما تكون من موقع الدولة.
فمن هذا الموقع، تصبح الكلمة موقفًا رسميًا يُحسب على لبنان لا على «القوات» وحدها، وتتحول لغة التحريض على طرف واحد في الإقليم إلى اصطفاف سياسي قد يدفع البلد ثمنه في لحظة توازنات هشة.
لا يُطلب من وزير خارجية لبنان أن يجمّل صورة إيران أو أن يتبنّى سرديتها، بل أن يكون نقده جزءًا من خطاب مبدئي متسق، يعترف أولًا بذنوب المنظومة التي ينتمي إليها، وبجرائم الحزب الذي أتى به إلى الوزارة، وبحق اللبنانيين والفلسطينيين والسوريين في العدالة والذاكرة والكرامة، قبل أن يتحدث باسم الإيرانيين.
عندها فقط، يمكن للبناني والعربي أن يسمع كلامه عن «الشعب الإيراني» بوصفه دفاعًا عن مبدأ، لا حلقة إضافية في سلسلة طويلة من الإنتقائية السياسية، يتصدّرها هذه المرّة وزير بذاكرة مثقوبة، يختار من التاريخ ما يخدم خطابه، ويترك الباقي مدفونًا تحت ركام الحرب الأهلية.



