
إلى متى ستبقى أرواح الناس رهينة الفوضى والتعديات على الأملاك العامة؟
حادثة خطيرة شهدتها مدينة بعلبك رأس العين كادت أن تتحول إلى كارثة حقيقية، بعدما سقط أحد أعمدة الإنارة العامة على الطريق وعلى بعض السيارات.
ولولا عناية الله ولطفه، لكانت النتيجة مأساوية، خصوصاً أن الحادث وقع على طريق حيوية تشهد حركة سير كثيفة. والحمد لله أن الأضرار اقتصرت على الماديات.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل يجب أن ننتظر سقوط قتلى وجرحى حتى يتحرك المسؤولون؟
وبحسب ما يظهر بوضوح من صور ومشاهد العمود بعد سقوطه، فإن المشكلة لم تكن محصورة فقط باليافطات المعلّقة عليه بصورة مخالفة، بل إن قاعدة العمود نفسها تبدو متآكلة ومهترئة بشكل كبير، فيما تظهر آثار الصدأ والتلف على أجزاء واسعة منه، ومع اشتداد الرياح وتحرك العمود يميناً ويساراً بشكل متكرر، ازدادت الضغوط عليه إلى أن فقد توازنه وسقط.
لكن هذا الواقع لا يعفي أحداً من المسؤولية، فاليافطات والإعلانات المعلّقة على أعمدة الإنارة تشكل عبئاً إضافياً على أعمدة تعاني أساساً من التقادم والتآكل والإهمال، ما يزيد من احتمالات انهيارها عند أي عاصفة أو رياح قوية.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، لأن هذه الأعمدة مخصصة للإنارة العامة وخدمة المواطنين، لا لتحويلها إلى مساحة مفتوحة لتعليق الصور واللافتات والإعلانات.
ما حصل ليس حادثاً عابراً، بل نتيجة مباشرة لحالة الفوضى المستمرة والتعديات المتكررة على الأملاك العامة. فمن أعطى الحق لأي جهة أو شخص بتعليق اليافطات والصور والإعلانات على أعمدة الإنارة؟ ومن يراقب هذه المخالفات التي باتت تنتشر في كل مكان وكأن لا قانون ولا سلطة ولا محاسبة؟
والأخطر من ذلك، أن ظاهرة أخرى لا تقل خطورة تتفاقم يوماً بعد يوم، تتمثل بقيام بعض أصحاب المؤسسات والمحال التجارية و"الإكسبرسات" بمدّ أسلاك ولمبات وأشرطة الإنارة والزينة بين أعمدة الكهرباء وعلى الطرقات العامة بصورة عشوائية، في تعدٍّ واضح على الأملاك العامة والبنية التحتية، وفي ممارسات تشكل خطراً مباشراً على السلامة العامة وعلى المارة والسائقين.
إن أعمدة الإنارة ليست لوحات إعلانية، وليست ركائز لتعليق الصور واليافطات والأسلاك والزينة. هذه المنشآت وُجدت لخدمة المواطنين وتأمين السلامة على الطرقات، لا لتحويلها إلى مصدر خطر يهدد حياة الناس كل يوم.
من هنا، نطالب محافظ بعلبك الهرمل وبلدية بعلبك والسلطات الأمنية المختصة ووزارة الأشغال العامة والنقل وكافة الجهات المعنية بالتحرك الفوري والعاجل، ليس فقط لإزالة اليافطات والأسلاك والتعديات المخالفة، بل أيضاً لإجراء كشف فني شامل على أعمدة الإنارة القديمة والمتضررة والتأكد من سلامتها قبل وقوع ما هو أخطر.
كما نطالب بمحاسبة كل من يثبت تورطه في التعديات على الأملاك العامة أو تعليق اليافطات والإعلانات بصورة مخالفة، وتحميله كامل المسؤولية القانونية عن أي ضرر أو حادث قد ينتج عن هذه المخالفات.
اليوم مرّت الحادثة على خير، لكن في المرة المقبلة قد لا يكون الحظ إلى جانبنا. فهل ننتظر سقوط الضحايا حتى نكتشف أن إزالة يافطة مخالفة، أو سلك ممدود بطريقة عشوائية، أو استبدال عمود متهالك كانت كفيلة بإنقاذ حياة إنسان؟
كفى استهتاراً بالأملاك العامة، وكفى استهانة بأرواح المواطنين. المطلوب تحرك فوري وحاسم قبل فوات الأوان، لأن ما سقط اليوم كان عمود إنارة… وغداً قد تكون أرواح أبرياء.








