‏سجادة الردع: من خيوط المقاومة إلى الألياف البصرية… لبنان في قلب الاتفاق الكبير

‏ب✍️محمد الجوهري.

لم يكن توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران حدثاً عابراً في الهامش الدبلوماسي، بل زلزالاً هادئاً أعاد ترتيب الخرائط تحت الطاولات قبل أن يهتزّ سطح المنطقة.

‏من الآن فصاعداً، لم يعد لبنان مجرّد خط تماس ثانوي في حسابات البيت الأبيض، بل بنداً صريحاً في معادلة تفاوضية فرضتها تضحيات المقاومة وصمود محور يمتد من طهران إلى الضاحية وبيروت وغزة.

‏ما حاولت واشنطن أن تُسوِّقه تحت عنوان "إتفاق تقني" لفتح المضائق وتهدئة الأسواق العالمية، قرأته طهران على حقيقته: إعترافٌ متأخّر بأن زمن حصار إيران ومحاصرة حلفائها بالصواريخ والعقوبات قد انتهى.

‏إذ لم تعد الولايات المتحدة قادرة على إدارة حرب شاملة ولا على فرض حصار خانق بلا كلفة، فاضطرت إلى الإعتراف بميزان ردع صنعته المقاومة بدماء شهدائها في غزة وجنوب لبنان والعراق واليمن.

‏في قلب هذه المعادلة، حاول بنيامين نتنياهو أن يخرج من الوقت المستقطع إلى "وقت إضافي" خاص به، رافعاً سقف التهويل حتى نهر الليطاني، ومستعيداً أحلام الحزام الأمني، كأن الزمن توقّف عند جنوب لبنان قبل التحرير. لكن ما يغيب عن باله أن الليطاني اليوم ليس نهراً في مخيّلات المستوطنين، بل خط وعي ومقاومة، وأن كل متر يحاول جيشه أن يطأه تحت الحراب سيُحتسب في لائحة حسابات المقاومة، لا في خرائط أوهامه التوسعية.

‏حين يلوّح وزير متطرف من أمثال عميحاي إلياهو بتسوية الجنوب بالأرض، فهو لا يكشف إلا عن مأزق كيانٍ اعتاد أن ينتصر من فوق، فإذا به يكتشف أن السماء نفسها أصبحت ميداناً لصواريخ دقيقة وطائرات مسيّرة تُسقط هيبة "الجيش الذي لا يُقهر". ما كان يُقال همساً في غرف التقدير الصهيونية صار اليوم حقيقة معلنة على منصّات المستوطنين: أقوى جيش في الشرق الأوسط خاض حرب استنزاف مع حزب الله لسنوات ولم يستطع أن يحسمها.

‏وسط هذا المشهد، يحاول دونالد ترامب أن يرتدي أكثر من قناع في آن واحد: حامي إسرائيل الأوّل، ومفتاح التفاهم مع إيران، و"الوسيط" الذي يتحدّث عن إتصالات مع حزب الله وبعض العرب، كأنّ التاريخ يبدأ وينتهي عند تغريدة يكتبها، أو اتصال هاتفي يفاخر به في مواسم الإنتخابات.

لكن الحقيقة أبسط وأكثر قسوة: الرئيس الأميركي، مهما غيّر من نبرته، لا يستطيع أن يفرض على المقاومة أن تتحوّل إلى "ملف ثانوي" في ملاحق الإتفاق. ما يحسم مصير الجنوب ليس توقيعاً رقمياً على مذكرة، بل قدرة إسرائيل على تحمّل كلفة البقاء تحت النار، وقدرة محور المقاومة على الإستمرار في فرض المعادلات.

‏هنا تحديداً تبرز أهمية موقف الرئيس نبيه بري وغيره من قيادات الصف الوطني في لبنان حين يرفضون منطق "المناطق التجريبية". لبنان ليس حقل رماية دولياً يتم تقطيعه إلى مربعات أمنية تحت مسمّيات "مناطق آمنة" و"ضمانات دولية". لبنان، كما قال بري، أربعة وعشرون قضاءً، لا أربعة وعشرون قفصاً تُدار عن بُعد بقوات متعدّدة الجنسيات، ولا خطوط تماس مرسومة وفق مصالح الشركات النفطية وممرات الغاز.

‏إنّ الإصرار الإيراني على إدراج الإنسحاب الإسرائيلي من لبنان، ووقف العدوان، واحترام سيادة الدولة، ليس ترفاً تفاوضياً ولا مناورة إعلامية. إنه جزء من فهم عميق لطبيعة المواجهة: ما لم تُسقِط المقاومة مشروع "لبنان المختبر" و"الجنوب المحايد"، سيظل البلد مهدّداً بالتحوّل إلى حديقة خلفية لصفقات الآخرين.

‏ومن هنا تأتي دقة صياغة كل بند من البنود الأربعة عشر، التي حاكتها طهران كسجادة فارسية، خيطاً فوق خيط، لكن خيوطها هذه المرة ليست من صوف الحرير فقط، بل من ألياف بصرية تمتدّ من طهران إلى الجنوب اللبناني، تنقل الصورة، والقرار، وميزان القوة في آن واحد.»

‏خيطاً فوق خيط، كي لا يترك فراغاً يدخل منه المستوطنون الجدد إلى الجغرافيا السياسية للبنان.

‏في المقابل، يصرّ بعض الداخل اللبناني على البقاء رهينة أوهام "الحماية الدولية" و"المجتمع الدولي الضامن"، متناسياً أن هذا المجتمع نفسه هو الذي منح إسرائيل حصانة على مدى عقود، وغطّى حروبها على الجنوب وغزة والضفة. من يراهن اليوم على أن واشنطن ستفرض على تل أبيب انسحاباً كاملاً من دون ثمن، إنما يعيد إنتاج الوصفة نفسها التي قادت إلى اتفاقيات هزيلة بعد العام 2024، حيث أُعيد تدوير الإحتلال بأسماء جديدة، من مراقبين إلى قوات طوارئ إلى لجان تنسيق أمنية.

‏الحقيقة التي يحاول البعض تجاهلها أنّ محور المقاومة، بقيادة إيران، فرض وجوده على طاولة التفاوض ليس كـ"مشكلة أمنية" ينبغي حلّها، بل كحقيقة استراتيجية لا يمكن تجاوزها. ومن هنا، فإن أي إنسحاب إسرائيلي من لبنان لن يكون منّة من ترامب ولا منة من "المجتمع الدولي"، بل ثمرة توازن ردع صلب، واستثمار واعٍ لورقة القوة التي تمتلكها المقاومة، من الصواريخ الدقيقة إلى الحضور الشعبي والشرعية الداخلية المتزايدة في بيئتها.

‏ما ينتظر لبنان في الأسابيع المقبلة ليس اختباراً لمفاعيل اتفاق دولي على الورق، بل اختبار لصلابة معادلة "الجيش والشعب والمقاومة" في مواجهة محاولات تحويل الجنوب إلى ساحة تفاوض على حساب السيادة. فإذا نجحت المقاومة، ومعها قوى وطنية صلبة، في فرض انسحاب بلا مقايضة على سلاحها أو على دورها، فلن يكون الاتفاق الأميركي–الإيراني شاهد زور على هزيمة مشروع الاحتلال، ولا إطاراً لشرعنته. أما إذا فُرضت على لبنان "مناطق تجريبية" جديدة، فسيدفع الجميع ثمن تهاونهم اليوم، حين يكتشفون أن كل تنازل صغير في الجغرافيا يتحوّل غداً إلى تنازل كبير في السيادة والقرار.

‏في كل الأحوال، ما بعد هذه المذكرة لن يشبه ما قبلها. فقد ثبت أن من يملك إرادة المقاومة قادر على تحويله إلى شريك مفروض في المعادلة الدولية، وأن من يراهن على حماية واشنطن وحدها سيبقى مجرّد هامش في نصّ كتبه الآخرون.

‏بين لبنان–السجادة التي تُحاك بخيوط المقاومة، ولبنان–المختبر الذي يُجرَّب فيه كل سلاح جديد، يقف اليوم خيار واحد واضح: إمّا أن نكون جزءاً من محور يصنع توازن القوى، أو نرضى بأن نكون هامشاً في مذكرة تفاهم لا تعترف إلا بالأقوياء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى