
ب✍️ د. حسين رعد
أستاذ جامعي
قراءة قرآنية وحسينية في بناء الانسان ضمن سلسلة فكرية مترابطة تتجسد في حلقات وفق التدرج المنطقي التالي :
1.الإنسان كائن الرغبة اللامتناهية.
2.الحاجة إلى المطلق في القرآن.
3.العبادة بوصفها توجيهاً للرغبة لا قمعاً لها.
4.الظلم نتيجة الانفصال عن المطلق.
5.الحرية والعبودية: أيهما يحقق الإنسان؟
6.الولاية كبنية أخلاقية تحفظ التوجه نحو الله.
7.الإمام الحسين وتجسيد الإنسان المتعالي.
8.عاشوراء ونقد العقل النفعي.
9.معنى الشهادة في الرؤية القرآنية.
10.الإنسان الكامل وأفق النجاة الحضارية.
الحلقة الأولى: الإنسان كائن الرغبة اللامتناهية
ليست مشكلة الإنسان أنه يرغب، بل أنه لا يعرف دائمًا أين يوجّه رغبته.
فالإنسان لا يكتفي بسهولة. كلما بلغ غايةً تطلّع إلى ما بعدها؛ يطلب المال ثم الأمان، ويطلب الأمان ثم المكانة، ويطلب المكانة ثم الخلود في الذاكرة أو السيطرة على المستقبل. وكأن في داخله توقًا لا يهدأ عند حدود الأشياء.
هذه الحقيقة لا تخصّ إنسان العصر الحديث وحده، وإن كان زمن الاستهلاك والشاشات قد جعلها أكثر وضوحًا. فالعالم اليوم يقول للشاب: امتلك أكثر، انجح أكثر، اظهر أكثر. لكن السؤال يبقى: لماذا لا يطمئن القلب رغم كثرة الخيارات؟
القرآن لا ينظر إلى الرغبة بوصفها خطيئة في أصلها، بل يكشف أنها جزء من طبيعة الإنسان:
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾
[آل عمران: 14]فالمشكلة ليست في أن يحب الإنسان أو يسعى أو يطمح، بل في أن يجعل المحدود غاية مطلقة. فالمال محدود، والسلطة محدودة، واللذة محدودة، والعمر محدود، أما شوق الإنسان فيتجاوز كل حدّ. لذلك إذا طلب الإنسان من الدنيا أن تمنحه الطمأنينة النهائية خذلته؛ لا لأنها شر مطلق، بل لأنها أضيق من أن تكون غاية الإنسان الأخيرة.
ومن هنا يقول القرآن:
﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾
[آل عمران: 185]أي إن الدنيا نافعة، لكنها خادعة حين تُرفع فوق مقامها. تعطي الإنسان وسائل الحياة، لكنها لا تمنحه وحدها معنى الحياة.
وهنا نفهم معنى الحكمة: " من عرف نفسه عرف ربه ". فمعرفة النفس ليست مجرد معرفة الطباع والميول، بل اكتشاف أن في الإنسان طلبًا للكمال لا يملؤه شيء محدود. ومن عرف هذا الافتقار العميق، عرف أنه لا يطمئن إلا بالاتصال بالمطلق:
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
[الرعد: 28]فالطمأنينة ليست قتل الرغبة، بل هدايتها. والعبادة ليست قمعًا للإنسان، بل توجيهًا لرغبته نحو غايتها الحقيقية.
ومن هذا الباب نقرأ حركة الإمام الحسين عليه السلام. فعندما طُلبت منه البيعة ليزيد، لم تكن المسألة إجراءً سياسيًا عابرًا، بل كانت طلبًا لمنح الشرعية لمسار يراه الحسين انحرافًا عن روح الإسلام والعدل. كان يستطيع أن يختار السلامة، أو المساومة، أو الصمت، لكنه أدرك أن الحياة إذا انفصلت عن الحق فقدت معناها.
خرج الحسين من المدينة إلى مكة، لا طلبًا للفتنة، بل إعلانًا لموقف أخلاقي أمام الأمة. ثم جاءته رسائل الكوفة، فلم يتحرك بانفعال، بل أرسل مسلم بن عقيل ليستطلع الواقع ويقيم الحجة. وهذا يكشف أن حركته لم تكن تهورًا، بل بصيرة ومسؤولية.
وعندما تبدلت الكوفة، واستُشهد مسلم، وانكشفت قسوة الطريق، لم يعد أمام الحسين وعدٌ بنصر قريب. هنا ظهر جوهر الموقف: هل يكون الحق مطلوبًا لأنه مضمون النتائج، أم لأنه حق؟
في كربلاء بلغت الحقيقة ذروتها. كل الحسابات الدنيوية كانت تقول: لا أمل في النجاة. لكن الحسين لم يكن يطلب النجاة بأي ثمن، بل كان يطلب الله والحق. ولو كان يطلب السلطة لساوم، ولو كان يطلب السلامة لتراجع، ولو كان يطلب رضا الناس لانكسر حين تفرقوا عنه.
لقد جسّد الحسين الإنسان الذي لا يقتل رغبته، بل يطهّرها؛ لا يكره الحياة، بل يرفض أن تكون الحياة أعلى من الحق. ومن هنا بقيت كربلاء حية، لأنها لم تكشف فقط مأساة تاريخية، بل كشفت أرقى صورة للإنسان: إنسان متصل بالمطلق، فلا يستعبده الخوف، ولا تغريه المصلحة، ولا يهزمه الموت.
إن رسالة كربلاء للشباب اليوم واضحة: ليست المشكلة أن تطمح، بل أن تعرف لمن تطمح. ليست المشكلة أن تحب الحياة، بل أن لا تخون الحق من أجلها. وليست الحرية أن تركض خلف كل رغبة، بل أن تجعل رغبتك في خدمة ما يستحق.
فالإنسان كائن الرغبة اللامتناهية. فإذا وجّه هذه الرغبة إلى المحدود ضاع واستُعبد، وإذا وجّهها إلى الله وجد معناها وكرامتها.
ومن هنا ننتقل في الحلقة الثانية إلى السؤال التالي:
*إذا كان الإنسان لا يكتفي بالمحدود، فما معنى الحاجة إلى المطلق في القرآن؟



