
ب✍️محمد الجوهري.
في إطلالته الأخيرة، لم يتحدث سمير جعجع كسياسي يقرأ الوقائع بقدر ما تحدث كخطيب يحرس يقينًا قديمًا مهددًا بالإهتزاز.
حين وصف التفاؤل بالتفاهم الأميركي–الإيراني بأنه «هذيان جماعي» و«بيع سمك بالبحر»، لم يكن يكتفي بمهاجمة خصومه، بل كان يمنح نفسه موقع العقل الوحيد وسط عالم يراه مختلًا. غير أن المفارقة تكمن هنا بالذات: فالهذيان الحقيقي ليس في الشكّ بأي اتفاق دولي، بل في الإيمان المستمر بأن مصير لبنان لا تصنعه الجبهات ولا الشعوب ولا موازين القوة، بل مزاج رئيس أميركي في البيت الأبيض.
عندما يقول جعجع إن إيران لم تنتزع وقف إطلاق النار وإن من انتزعه هو دونالد ترامب، فهو لا يقدّم تحليلًا بقدر ما يكشف عن عقيدته السياسية العميقة: القرار يأتي من فوق، من واشنطن، لا من الجنوب ولا من الدم ولا من كلفة المواجهة على العدو.
في هذه النظرة يُمحى أثر الميدان لحساب صورة "المنقذ" الأميركي، ويُختصر التاريخ المحلي كله في توقيع خارجي. هكذا يتحوّل لبنان إلى هامش جغرافي في دفتر المصالح الأميركية، لا إلى بلد له فاعلون وقوى ووقائع تفرض نفسها.
وحين يهاجم ما سمّاه «مسار إسلام آباد» بوصفه مرتبطًا بمصالح إيران لا بمصالح لبنان، ثم يمدح فتح باب التفاوض في واشنطن، فإن التناقض لا يعود تفصيلًا بل يصير بنية كاملة في خطابه.
السيادة عنده ليست استقلال القرار، بل نوع الجهة التي يُرتهن لها القرار: إن اتجهت البوصلة نحو إيران صار ذلك وصاية، وإن انحنت نحو واشنطن صار "دبلوماسية" و"شرعية" و"حكمة دولة".
بهذا المعنى، هو لا يرفض التبعية، بل يرفض فقط أن تكون التبعية لغير المحور الذي اختاره لنفسه.
أما قوله إن حزب الله في رأس قائمة المطالب الأميركية، فهو محاولة واضحة لإنزال الحزب من مرتبة فاعل ميداني فرض نفسه بالقوة والدم إلى مرتبة ملف تفاوضي يمكن شطبه متى نضجت الصفقة.
لكن هذه اللغة تسقط أمام سؤال بسيط: لو كان الحزب مجرد بند في دفتر المطالب الأميركية، فلماذا لم تستطع واشنطن وتل أبيب إنتزاع هذا "البند" رغم كل ما استخدمتاه من حصار وضغط وتهديد؟
إن تقزيم المقاومة إلى ورقة قابلة للبيع ليس قراءة واقعية، بل رغبة سياسية قديمة تتنكر في هيئة تحليل.
ثم يأتي تمجيد الدولة والجيش بوصفهما البديل النظيف والوحيد، كأن المشكلة في لبنان كانت فقط وجود سلاح خارج المؤسسات لا طبيعة المؤسسات نفسها.
هذا النوع من الكلام يتجاهل أن القوى التي تتحدث اليوم بإسم الدولة شاركت طويلًا في إضعافها، وفي تحويلها إلى جهاز مثقل بالإرتهان والفساد والعجز.
لذلك يصبح شعار "دولة واحدة، جيش واحد، سلاح واحد" جميلًا فقط إذا جرى تجاهل السؤال الأخطر: من يملك هذه الدولة فعلًا، ومن يكتب قرارها، ومن يمنعها أو يسمح لها؟
فالمطالبة بتجريد المجتمع من عناصر قوته الدفاعية، قبل تحرير الدولة نفسها من التبعية، ليست مشروع سيادة بل مشروع نزع مناعة.
الأخطر من ذلك هو الإزدواجية الأخلاقية الفاضحة في توزيع الوصايات: التدخل السوري مرفوض، وهذا مفهوم من حيث الذاكرة اللبنانية الثقيلة، لكن التدخل الأميركي يُقدَّم كأنه باب النجاة، والضغط الغربي يُعامل كأنه رعاية سياسية لا وصاية.
هنا يسقط المعيار الأخلاقي كله: لا يعود السؤال "هل هذا الخارج يتدخل في لبنان؟" بل "أي خارج نفضّل؟". وما يُقدَّم بوصفه دفاعًا عن السيادة لا يكون عندها أكثر من اختيار مهذب لنوع الوصاية المناسبة.
لهذا كله، لا يبدو خطاب جعجع مجرد موقف سياسي عابر، بل بنية نفسية وفكرية كاملة: خوف من الإعتراف بأن هناك قوى محلية وإقليمية صنعت وقائع لا تناسب قناعاته، وإصرار على إعادة العالم كله إلى مركز واحد هو واشنطن.
وهو لذلك يحتاج دائمًا إلى لغة من نوع «الهذيان الجماعي» و«المسرحية»، لأن هذه اللغة تعفيه من مواجهة الحقيقة الأصعب: أن ما يسميه "وهمًا" عند خصومه قد يكون أحيانًا إدراكًا لتحول تاريخي، وأن ما يسميه "واقعية" في خطابه ليس سوى تبعية قديمة تتجدد بألف اسم.
في النهاية، المشكلة في كلام جعجع ليست أنه بالغ في مهاجمة إيران أو حزب الله فحسب، بل أنه قدّم مرة جديدة لبنان كبلد لا يملك أن يقرر إلا بإذن، ولا يهدأ إلا إذا رضي عنه الخارج، ولا يصير "دولة" إلا عندما يتخلى عن كل عناصر القوة التي راكمها خارج إرادة السفارات. وهنا بالذات يرتدّ عليه توصيفه: الهذيان ليس فيمن يشكّ في الإتفاقات ويقرأها بحذر، بل فيمن لا يزال، حتى الآن، يظن أن الخلاص سيهبط على بيروت من السماء الأميركية نفسها.



