الحاجة إلى المطلق في الرؤية القرآنية.

بقلم د٠ حسين رعد

الحلقة الثانية: الحاجة إلى المطلق في الرؤية القرآنية

من أكثر الأسئلة عمقاً في الفلسفة والدين وعلم النفس سؤالٌ يبدو بسيطاً في ظاهره: لماذا يبحث الإنسان دائماً عن ما هو أكبر؟

فهو لا يكتفي بالمعرفة التي يمتلكها، ولا بالقوة التي حصل عليها، ولا بالجمال الذي أدركه، ولا حتى بالعمر الذي عاشه. وكأن في داخله حركة دائمة تتجاوز كل ما يبلغه نحو أفق آخر أبعد منه.

هذه الظاهرة ليست حادثة عرضية في التاريخ الإنساني، بل هي من أكثر الظواهر ثباتاً واستمراراً. فالإنسان القديم والإنسان المعاصر يشتركان في هذه الحقيقة على الرغم من اختلاف الظروف والأدوات.

يتبادر الى أذهاننا السؤال التالي: هل هذه الرغبة اللامتناهية مجرد وهم نفسي؟ أم أنها تكشف عن حقيقة في بنية النفس نفسها؟

يقرر القرآن الكريم أن الإنسان مخلوق يحمل في ذاته أثراً من النفخة الإلهية:

﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾] الحجر: 29[

ولا تعني الآية أن الإنسان جزء من الذات الإلهية، وإنما تشير إلى شرف الأصل وعلو المقصد. فالإنسان يحمل في وجوده استعداداً لتلقي الكمالات والسعي نحوها.

ولهذا نجد أن القرآن لا يصف الإنسان بأنه طالب للحاجات المادية فقط، بل يصفه بأنه طالب للمعنى والهداية واليقين والخلود.

قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾] الانشقاق: 6[

إنها آية تأسيسية في فهم الإنسان. فالإنسان ليس مجرد كائن يتحرك داخل العالم، بل هو كائن يتحرك نحو الله، سواء أدرك ذلك أم لم يدركه.

لذلك نفهم أن الحاجة إلى المطلق ليست فكرة فلسفية مستوردة، بل حقيقة قرآنية. فالإنسان يطلب العلم، لأنه يبحث بصورة غير واعية عن العلم الكامل. ويطلب العدل، لأنه يتطلع إلى العدل المطلق. ويطلب الجمال، لأنه يحن إلى الجمال المطلق. ويطلب البقاء، لأنه يرفض الفناء في أعماقه. هذه الحاجات ليست منفصلة عن الله، بل هي إشارات إليه.

ولهذا يصف القرآن الله تعالى بقوله:

﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ ]النجم: 42[

أي أن نهاية كل طلب حقيقي هي الله.

فكل ما في العالم محدود، والمحدود لا يستطيع أن يملأ شوقاً غير محدود. وعلى هذا الأساس يمكن فهم الأزمة الوجودية التي يعيشها الإنسان المعاصر. فالتقدم التقني الهائل لم يُنهِ القلق، ووفرة الوسائل لم تُنهِ الشعور بالفراغ، وتراكم الثروات لم يُنهِ الإحساس بالوحدة.

والسبب أن المشكلة ليست في نقص الوسائل، بل في ضياع الغاية. لقد امتلك الإنسان أشياء كثيرة، لكنه فقد البوصلة التي توجهها. وفي هذا السياق يكتسب حديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام معنى استثنائياً: "من عرف نفسه عرف ربه"

فمعرفة النفس ليست عملية وصف نفسي أو تحليل سلوكي فحسب، بل اكتشاف الوجهة الأصلية للنفس.

إنها اكتشاف أن في داخل الإنسان توقاً لا ينتهي لأنه خُلق للمطلق. لذلك نفهم بصورة أعمق حركة الإمام الحسين عليه السلام.

فالحسين لم يكن يبحث عن سلطة تنافس سلطة، ولا عن مُلك ينازع مُلكاً. ولو كان الأمر كذلك لكان منطق السياسة كافياً لتفسير حركته.

لكن كربلاء كانت شيئاً آخر. كانت إعلاناً أن الإنسان يفقد إنسانيته عندما يجعل المحدود غايته النهائية.

ولهذا رفض الحسين أن يمنح الشرعية لمنظومة سياسية جعلت القوة بديلاً عن الحق، والمصلحة بديلاً عن القيم، والدنيا بديلاً عن الله. لقد أدرك أن معركة الإنسان الحقيقية ليست مع الفقر أو الخوف أو الموت فحسب، بل مع اختزال وجوده في حدود الدنيا.

لهذا السبب أصبحت عاشوراء حدثاً يتجاوز التاريخ. إنها تذكير دائم بأن النفس الإنسانية لا يمكن أن تستقر إلا عندما تعود إلى مركزها الحقيقي. وهذا المركز هو الله.

ولذلك فإن السؤال الأهم الذي يواجه الإنسان ليس: ماذا أملك؟

بل: إلى أي هدف أتجه؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى