العبادة بوصفها صيانةً للإنسان من الاغتراب.

بقلم د. حسين رعد

من أكثر المفارقات إثارة في الوجود الإنساني أن الإنسان لا يتوقف عن البحث عن الكمال، وفي الوقت نفسه لا يستطيع أن يبلغ الكمال بنفسه. إنه يحمل في داخله توقاً لا نهائياً، لكنه يعيش داخل عالم محدود. ومن هذا التوتر تنشأ معظم الأسئلة الكبرى التي رافقت الإنسان عبر التاريخ: سؤال المعنى، وسؤال السعادة، وسؤال الحرية، وسؤال الخلود.

لقد بيّنا في الحلقة السابقة أن النفس الإنسانية لا تكتفي بالمحدود لأنها تحمل في بنيتها نزوعاً نحو المطلق.

غير أن هذه الحقيقة تفتح سؤالاً جديداً: إذا كانت النفس مفطورة على طلب الله، فلماذا تضل الطريق؟

لماذا ينتهي الأمر بالإنسان إلى عبادة المال أو السلطة أو الشهرة أو الذات؟

الجواب القرآني لا يبدأ من الخارج بل من الداخل. فالقرآن لا يرى أن مشكلة الإنسان الأساسية هي الجهل بوجود الله، بل النسيان.

قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: 19]

وهذه من أكثر الآيات عمقاً في الأنثروبولوجيا القرآنية. فالآية لا تقول إن من نسي الله خسر بعض المعلومات الدينية، بل تقول إنه خسر معرفة نفسه. أي أن العلاقة بين معرفة الله ومعرفة الإنسان ليست علاقة خارجية، بل علاقة تكوينية. فكلما ابتعد الإنسان عن الله ابتعد عن نفسه الحقيقية. وهنا يصبح الاغتراب مفهوماً مركزياً.

يُعد مفهوم الاغتراب من أكثر المفاهيم حضوراً في الفكر الحديث. ماركس رآه اغتراباً اقتصادياً. ودوركهايم رآه اغتراباً اجتماعياً. وفروم رآه اغتراباً نفسياً. أما الرؤية القرآنية فتذهب إلى مستوى أعمق. فالاغتراب ليس مجرد انفصال الإنسان عن عمله أو مجتمعه أو ذاته النفسية. بل هو انفصاله عن مركز وجوده. عن المصدر الذي يمنحه المعنى والاتجاه. ولهذا فإن الإنسان قد يملك كل شيء ويظل يشعر بالفراغ. وقد يبلغ أعلى درجات النجاح ويظل يشعر بأن شيئاً ما مفقود. لأن المشكلة ليست في كمية ما يملكه. بل في طبيعة ما فقده. لقد فقد مركزه.

ولهذا كان القرآن يربط دائماً بين الغفلة عن الله وبين الضياع الوجودي: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: 124]

لم يقل فقراً أو مرضاً أو هزيمة، بل "معيشة ضنكاً"، أي حالة اختناق وجودي حتى لو توفرت أسباب الرفاه.

إنطلاقاً مما سبق نفهم خطأً شائعاً في فهم العبادة، كثيرون ينظرون إليها بوصفها مجموعة أوامر مفروضة على الإنسان من الخارج. بينما يقدمها القرآن بوصفها استجابة لأزمة داخلية يعيشها الإنسان نفسه.

فالإنسان لا يصلي لأن الله يحتاج إلى صلاته، بل لأنه يحتاج إلى إعادة وصل نفسه بالمطلق. ولا يصوم لأن الله يحتاج إلى جوعه، بل لأن النفس تحتاج إلى التحرر من هيمنة الغريزة. ولا يحج لأن الله يحتاج إلى حضوره، بل لأن الإنسان يحتاج إلى الخروج من مركزية ذاته. العبادة إذن ليست خدمة يؤديها الإنسان لله، بل عملية إعادة تشكيل مستمرة للنفس.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا أمرنا الله بالعبادة؟

بل: كيف يمكن للنفس أن تحافظ على اتجاهها نحو المطلق من دون العبادة؟

عندما تنفصل الرغبة عن المطلق لا تختفي، بل تبحث عن بديل. عندها تقع المأساة الإنسانية الكبرى. فالإنسان الذي خُلق ليطلب الكمال المطلق يبدأ بطلب كمالات جزئية، ثم يمنحها مكانة المطلق. فتتحول الثروة إلى إله وتتحول السلطة إلى إله وتتحول الجماعة إلى إله وتتحول الأيديولوجيا إلى إله، بل قد يتحول الإنسان نفسه إلى إله.

وهذا هو المعنى العميق لقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: 23]

فالهوى ليس مجرد شهوة، بل تحويل الرغبة المحدودة إلى مرجع نهائي. وعندها تبدأ كل أشكال الظلم. لأن ما كان ينبغي أن يكون وسيلة يصبح غاية وما كان ينبغي أن يكون محدوداً يصبح مطلقاً.

لذلك يمكن قراءة كربلاء بطريقة أعمق من القراءة السياسية المعتادة، فالمشكلة الأساسية لم تكن صراعاً على الحكم، بل صراعاً حول الجهة التي ينبغي أن تتوجه إليها الأمة.

كانت الأمة ما تزال تصلي وتصوم وتحج، لكن شيئاً أخطر كان يحدث في العمق، كانت السلطة تتحول تدريجياً إلى مطلق جديد، وكان الدين يُعاد تفسيره ليخدم القوة بدلاً من أن يقيّدها، وكانت الطاعة تنتقل من الله إلى الحاكم ومن الحق إلى المصلحة ومن القيم إلى الخوف.

وفي هذه اللحظة ظهر الحسين عليه السلام بوصفه استعادةً لمعنى العبادة، لم يكن يدعو الناس إلى شعيرة جديدة، بل كان يعيدهم إلى جوهر التوحيد نفسه، أي إلى تحرير الإنسان من كل مطلق مزيف.

ولهذا فإن عبارة: "مثلي لا يبايع مثله"، ليست موقفاً سياسياً فحسب، بل إعلاناً أن النفس التي عرفت الله لا تستطيع أن تمنح قداسةً لمن نازع الله موقعه في الضمير الإنساني.

وفق هذا التسلسل، نصل إلى نقطة شديدة الأهمية: إذا كانت العبادة تحفظ اتجاه الإنسان نحو الله، فإن الولاية تحفظ المسار التاريخي لهذه الحركة. فالإنسان لا يحتاج إلى معرفة الهدف فقط، بل يحتاج إلى نموذج يجسد الطريق. ولهذا لم يكتف القرآن بالحديث عن الله، بل تحدث عن الأنبياء والأوصياء والصالحين، لأن الإنسان يتعلم المعنى من خلال التجسد التاريخي للمعنى.

لذلك تصبح ولاية الحسين امتداداً عملياً للتوحيد، ليست منافسة له ولا بديلاً عنه، بل صورةً إنسانية مكتملة لكيفية العيش في ضوء التوحيد.

فالولاية ليست ولاءً لشخص بما هو شخص، بل ارتباطاً بالنموذج الذي حفظ اتجاه الأمة نحو المطلق عندما كانت مهددة بالانحراف نحو المحدود. عندها نفهم لماذا بقيت كربلاء حيّة، لأنها ليست ذكرى لموت رجل عظيم، بل ذكرى انتصار التوحيد على كل الأصنام الجديدة التي يصنعها التاريخ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى