الحلقة الرابعة: الظلم بوصفه انحرافاً وجودياً.

ب✍️ د. حسين رعد.

حين يُذكر الظلم يتبادر إلى الذهن فوراً مشهد الطغاة والحروب والسجون والقتل والاستبداد. غير أن هذه الصور، على قسوتها، ليست سوى الثمار الظاهرة لشجرة أعمق جذوراً.

فالقرآن لا يبدأ حديثه عن الظلم من السياسة، بل من الإنسان، ولا يبحث أولاً في نتائج الظلم، بل في منابعه.

السؤال الأساسي إذن ليس كيف يظلم الإنسان، بل كيف يتحول الإنسان إلى كائن قادر على الظلم أصلاً؟

هذا السؤال يقودنا إلى واحدة من أكثر الحقائق عمقاً في الرؤية القرآنية: إن الظلم ليس مجرد خطأ أخلاقي، بل هو خلل في بنية الوعي وتشوّه في علاقة الإنسان بالحقيقة.

ولهذا يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]

وقد تبدو الآية للوهلة الأولى بعيدة عن موضوع العدالة الاجتماعية أو السياسية، لكنها في الحقيقة تكشف الجذر الأول لكل ظلم.

فالظلم في جوهره هو وضع الشيء في غير موضعه. وعندما يمنح الإنسان شيئاً محدوداً منزلة المطلق فإنه يرتكب أول أشكال الظلم. إنه يخلط بين ما هو نسبي وما هو مطلق، بين الوسيلة والغاية، بين المخلوق والخالق، وهذا بداية الانحراف كله.

في الحلقة السابقة رأينا أن النفس الإنسانية مفطورة على طلب الكمال، لكن النفس لا تستطيع أن تعيش بلا قبلة. فإذا فقدت الله لم تفقد الحاجة إلى المطلق،.بل تبحث عن مطلق بديل، عندها تبدأ المأساة.

فالثروة التي خُلقت لتكون وسيلة للعيش تتحول إلى غاية للحياة، والسلطة التي خُلقت لخدمة الناس تتحول إلى أداة للهيمنة عليهم، والجماعة التي خُلقت للتعاون تتحول إلى معبود جديد يبرر كل شيء.

في هذه اللحظة لا يختفي الدين بالضرورة، بل قد تبقى الشعارات الدينية حاضرة، لكن مركز الوعي يكون قد انتقل من الله إلى شيء آخر. ولهذا فإن أخطر أشكال الانحراف ليست تلك التي تعلن عداءها للدين، بل تلك التي تستخدم الدين لتقديس المحدود.

يقول تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: 118]

هذه الآية تكشف مبدأً بالغ الأهمية، فالظلم الخارجي يسبقه دائماً ظلم داخلي، قبل أن يسرق الإنسان غيره يكون قد سرق نفسه، وقبل أن يستعبد الآخرين يكون قد فقد حريته الداخلية، وقبل أن يكذب على الناس يكون قد كذب على نفسه. ولهذا فإن القرآن يربط بين الضلال والظلم بصورة متكررة.

فالإنسان لا يصبح ظالماً لأنه قوي فقط، بل لأنه فقد القدرة على رؤية الحقيقة كما هي. وقد أدرك الإمام علي عليه السلام هذه العلاقة حين قال: "ما ترك لي الحق من صديق." فالحق يفرض على الإنسان أن يرى الأشياء في مواضعها الحقيقية، بينما يقوم الظلم على إعادة ترتيب الواقع وفق أهواء النفس.

يُعد مالك بن نبي من أبرز المفكرين الذين حاولوا فهم أزمة الحضارة الحديثة. وكان يرى أن المشكلة لا تكمن في نقص الوسائل بقدر ما تكمن في فقدان الفكرة الأخلاقية المركزية التي تضبط حركة المجتمع. فالإنسان عندما يمتلك القوة من دون معنى يتحول إلى خطر على نفسه وعلى العالم.

وهذا ما نشهده اليوم بصورة واضحة. فالبشرية بلغت مستويات غير مسبوقة من التقدم العلمي، لكن القرن العشرين وحده شهد من الحروب والدمار ما لم تشهده قرون طويلة قبله. وهنا تظهر مفارقة عميقة: التقدم التقني لا يضمن التقدم الأخلاقي، بل قد يمنح الظلم أدوات أكثر فعالية.

ولهذا لم يعتبر القرآن أن المشكلة الأساسية هي ضعف القوة، بل سوء توجيه القوة. فالطغيان لا ينشأ من امتلاك القدرة، بل من تحويل القدرة إلى غاية نهائية.

حين نقرأ كربلاء قراءة سطحية قد نتصور أن المشكلة كانت بين رجل صالح ورجل فاسد، لكن القراءة الحضارية تكشف شيئاً أعمق. يزيد لم يكن مجرد فرد، بل كان تعبيراً عن نمط من الوعي حيث يرى أن السلطة تمنح الشرعية، وأن الغلبة تصنع الحقيقة، وأن المصلحة تتقدم على القيم. في هذا النموذج يصبح الحق تابعاً للقوة، بدلاً من أن تكون القوة خادمة للحق، لذلك لم يكن خطر يزيد في شخصه، بل في المنظومة التي يمثلها.

ولهذا بقيت كربلاء حية حتى بعد زوال الدولة الأموية بقرون طويلة، لأن القضية لم تكن مرتبطة بحاكم بعينه، بل بسؤال يتكرر في كل عصر: هل يخضع الحق للقوة أم تخضع القوة للحق؟

إذا كان الظلم هو وضع الأشياء في غير مواضعها، فإن ثورة الحسين عليه السلام كانت محاولة لإعادة ترتيب العالم أخلاقياً، لقد أراد أن يعيد الحق إلى مركزه، وأن يعيد السلطة إلى وظيفتها، وأن يعيد الدين إلى رسالته، وأن يعيد الإنسان إلى نفسه، ولهذا فإن عظمة الحسين لا تكمن فقط في رفضه الظلم، بل في كشفه لجذوره.

لقد أدرك أن المشكلة ليست في حاكم جائر فحسب، بل في وعي جماعي بدأ يتكيف مع الجور ويبرره ويمنحه الشرعية، وكان يعلم أن أخطر ما يصيب الأمم ليس وجود الظالم، بل اعتياد الظلم. ولذلك كانت شهادته صدمة أخلاقية هائلة أعادت إيقاظ الضمير الإسلامي.

وهنا نصل إلى إحدى النتائج المركزية في هذه السلسلة: إذا كان الظلم يبدأ عندما يفقد الإنسان وجهته نحو المطلق، فإن الحاجة إلى الولاية لا تنبع فقط من الحاجة إلى قيادة سياسية، بل من الحاجة إلى مرجعية أخلاقية تحفظ الاتجاه الصحيح للإنسان والمجتمع. فالولاية في جوهرها ليست سلطة فوق الناس، بل حماية للمعنى من الانحراف وحماية للحق من أن يصبح تابعاً للقوة وحماية للإنسان من أن يجعل من نفسه أو من مصالحه إلهاً جديداً.

ولهذا يمكن فهم الصراع التاريخي حول الولاية بوصفه صراعاً حول سؤال أكبر: من يحدد اتجاه الأمة، المصلحة أم الحقيقة، القوة أم القيم، الأكثرية أم الحق؟

تكشف الرؤية القرآنية أن الظلم لا يبدأ في ساحات القتال ولا في قصور الحكام، بل يبدأ في اللحظة التي ينسى فيها الإنسان غايته، حين ينفصل المحدود عن المطلق، والوسيلة عن الغاية والقوة عن الحق.

لذلك لم تكن كربلاء مجرد مواجهة ضد الظلم فحسب، بل كانت محاولة لإعادة بناء الإنسان من جديد.

لأن الإنسان إذا عرف نفسه عاد إلى ربه، وإذا عاد إلى ربه حقاً عاد كل شيء إلى موضعه الصحيح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى