
ب✍️ د. حسين رعد
إذا كان الإنسان كائناً مفتوحاً على المطلق، وكانت رغبته لا تهدأ إلا حين تتجه إلى الله، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بعد الحديث عن العبادة والحرية هو: كيف يحفظ الإنسان هذا الاتجاه في التاريخ؟ فالإنسان لا يعيش في عزلة صافية، ولا يتحرك داخل فراغ روحي، بل يولد في مجتمع، ويتأثر بقوى السياسة والثقافة والعادة والخوف والمصلحة. وقد يعرف الحق في لحظة صفاء، ثم تجرّه الحياة شيئاً فشيئاً إلى تسويات تُضعف بصيرته وتعيد ترتيب أولوياته.
لذلك لا تكفي المعرفة النظرية وحدها. قد يعرف الإنسان أن الله هو الغاية، وأن الدنيا محدودة، وأن الهوى قد يتحول إلى إله خفي، لكنه يحتاج إلى نموذج حيّ يترجم هذه المعرفة إلى موقف وسلوك ومسار. فالقيم إذا بقيت أفكاراً مجردة ظلت معرّضة للتأويل البارد، أما حين تتجسد في إنسان كامل، فإنها تصبح طريقاً مرئياً، وصوتاً مسموعاً، وتجربة قادرة على إيقاظ الضمير.
من هذا الباب يمكن فهم الولاية لا بوصفها مجرد انتماء عاطفي أو اصطفاف مذهبي، بل بوصفها بنية أخلاقية تحفظ اتجاه الإنسان نحو الله. فالولاية في جوهرها تعني أن لا يُترك الإنسان وحده أمام فوضى الأهواء، ولا تُترك الأمة بلا معيار حين تتصارع المصالح وتتبدل الشعارات. إنها ليست بديلاً عن التوحيد، بل خادمة له؛ وليست حجاباً بين الإنسان وربه، بل طريقاً يحفظ المعنى من التحريف، ويحرس الدين من أن يتحول إلى شكل بلا روح، أو سلطة بلا عدل، أو طقس بلا وجهة.
وقد كشف القرآن أن الهداية لا تُعطى للإنسان كفكرة مجردة فقط، بل تمرّ عبر نماذج بشرية اختارها الله لتكون شاهدة على الحق. فالأنبياء لم يكونوا مبلغين للأحكام فحسب، بل كانوا تجسيداً لطريقة العيش في حضرة الله. ومن بعدهم تأتي الإمامة في معناها الأخلاقي والروحي امتداداً لهذا الدور: أن يبقى الحق مرئياً في التاريخ، وأن يجد الإنسان أمامه صورة مجسدة لمعنى العبودية لله والحرية من غيره.
ليست الولاية إذاً سلطة فوق الإنسان، بل حفظ لإنسانيته من الضياع. فالإنسان حين يفقد النموذج يختلط عليه الطريق؛ قد يظن القوة حقاً، والغلبة شرعية، والكثرة دليلاً، والنجاح معياراً. لذلك يحتاج إلى من يكشف له، بالفعل قبل القول، أن الحق لا يُقاس بالعدد، وأن الكرامة لا تُشترى بالسلامة، وأن الإنسان لا يبلغ حريته بأن يساير العالم، بل بأن يثبت حين يطلب منه العالم أن يخون معناه.
بهذا المعنى نفهم لماذا ارتبطت الولاية بالإمام علي عليه السلام وبالإمام الحسين عليه السلام ارتباطاً عميقاً. ففي عليّ تتجسد العدالة التي لا تساوم، والعقل الذي لا ينفصل عن التقوى، والشجاعة التي لا تتحول إلى طغيان. وفي الحسين تتجسد الحرية التي لا تخاف الموت، والعبودية التي لا تنحني إلا لله، والوفاء الذي يبقى ثابتاً حين يتخلى الناس.
إن الولاية ليست أن نحب شخصاً عظيماً في الماضي ثم نترك الحاضر لقوانينه القاسية، بل أن نحمل معيار ذلك الشخص في وعينا ومواقفنا. أن نسأل أمام كل قوة: هل هي في خدمة الحق أم تريد أن تصير بديلاً عنه؟ وأن نسأل أمام كل مصلحة: هل تقرّبنا من الله أم تجعلنا نبيع ما لا يُباع؟ وأن نسأل أمام كل خوف: هل يحفظ حياتنا أم يصادر معناها؟
من دون الولاية قد تتحول العبادة إلى عادة، والحرية إلى هوى، والدين إلى هوية اجتماعية، والحق إلى شعار يرفعه كل فريق لنفسه. أما الولاية فتردّ الإنسان إلى الأصل، وتذكّره بأن الطريق إلى الله ليس فكرة معلقة في الذهن، بل سيرة تمشي على الأرض. إنها تمنح الإيمان ذاكرة حية، وتمنح الأخلاق جسداً تاريخياً، وتمنح الأمة بوصلة حين تشتد الفتن.
لذلك ليست الولاية قيداً على الحرية، بل صيانة لها. فالإنسان لا يفقد حريته حين يتبع النموذج الكامل، بل يفقدها حين يتبع هواه ويظن أنه يتبع نفسه. الولاية تحرير من النماذج الزائفة التي يصنعها الإعلام والقوة والمال، وردّ للإنسان إلى النموذج الذي لا يريد امتلاكه، بل يريد له أن يبلغ الله.
فالإنسان، في نهاية المطاف، لا يحتاج إلى طريق فحسب، بل إلى دليل. ولا يحتاج إلى قيمة فحسب، بل إلى شاهد عليها. ولا يحتاج إلى معرفة المطلق فحسب، بل إلى من يعلّمه كيف يعيش في العالم دون أن يستعبده العالم. بهذا تصبح الولاية امتداداً طبيعياً لكل ما سبق: فالرغبة تطلب المطلق، والعبادة توجهها، والحرية تحررها من الهوى، والولاية تحفظ مسارها من الانحراف.



