الحلقة السابعة: الإمام الحسين والإنسان الكامل: نموذج الإنسان المتصل بالله

ب✍️ د. حسين رعد.

ليس الإنسان الكامل كائناً يخرج من بشريته، ولا روحاً معلّقة فوق آلام الناس وتجاربهم، بل هو الإنسان الذي يبلغ أصفى درجات إنسانيته حين يعرف أن كماله لا يقوم بذاته، بل باتصاله بالله. فهو لا يتعالى على العالم، ولا يهرب منه، ولا يحتقر الحياة، لكنه يضع كل شيء في موضعه الصحيح: الحياة نعمة، لكنها ليست الغاية الأخيرة؛ والموت حقيقة صعبة، لكنه لا يملك أن يكون سلطاناً على الضمير؛ والدنيا ميدان امتحان، لكنها لا تصلح أن تكون إلهاً يطاع من دون الله.

بهذا المعنى يظهر الإمام الحسين عليه السلام لا بوصفه شخصية تاريخية عظيمة فحسب، بل بوصفه نموذج الإنسان الكامل الذي عاش في قلب الواقع، لكنه لم يسمح للواقع أن يأسر قلبه. كان أباً، وأخاً، وقائداً، وإنساناً يحب أهله وأصحابه والحياة والطمأنينة، لكنه كان أعمق من أن يجعل هذا الحب باباً للتنازل عن الحق. لم يكن الحسين خارج التجربة البشرية، بل كان في أصدق أعماقها؛ غير أن إنسانيته لم تكن منغلقة على الخوف والمصلحة، بل مفتوحة على الله، مستمدة منه معناها ووجهتها وثباتها.

لقد انطلقت الحلقات السابقة من حقيقة أن الإنسان يحمل في داخله رغبة لا نهائية. وهذه الرغبة، إن لم تتجه إلى الله، تاهت في بدائل محدودة تستعبدها: مالٍ لا يشبع، وسلطةٍ لا تطمئن، ولذةٍ لا تدوم، وأمانٍ لا يملك أن يحفظ الإنسان من قلقه الأخير. الإنسان أكبر من كل ما يملكه، وأعمق من كل ما يخاف عليه، ولذلك لا يكتمل إلا إذا اتجه قلبه إلى الله، حيث يجد المعنى الذي لا ينهار، والغاية التي لا تخون، والنور الذي يعيد ترتيب الأشياء في مواضعها.

والحسين عليه السلام هو الصورة العملية لهذه الحقيقة. لم يكن إنساناً بلا رغبات، ولا قلباً منزوع العاطفة، بل كان إنساناً كاملاً لأنه لم يترك رغباته تتوزع في المحدود حتى تملكه. أحب الحياة، لكنه لم يعبدها. أحب الأهل، لكنه لم يجعل حبهم ذريعة لترك الحق. عرف قسوة الموت، لكنه لم يسمح للخوف أن يصير إماماً لقراره. لقد وضع كل شيء أمام الله، فصار حراً من كل شيء؛ لأن من اتصل بالله لا تستعبده الدنيا، ومن جعل الله غايته لا تشتريه السلطة، ولا تكسره العزلة، ولا يخدعه التصفيق، ولا يهزمه التهديد.

كانت كربلاء امتحاناً لهذا الاتصال العميق بالله. لم تكن المسألة عند الحسين عليه السلام مجرد نزاع سياسي مع حاكم جائر، ولا مواجهة عابرة مع سلطة فاسدة، بل كانت انحرافاً في بنية الأمة ومعاييرها. السلطة بدأت تحتل مقام الحقيقة، والخوف بدأ يصنع الطاعة، والدين صار يُستعمل لتبرير القوة، والناس أخذوا يعتادون الباطل حتى غدا جزءاً من المشهد اليومي. وفي مثل هذا المناخ لا يعود الصمت حياداً، بل يصبح مشاركة خفية في تثبيت الانحراف، وتصبح السلامة الظاهرية خيانة ناعمة للمعنى.

كان الحسين عليه السلام قادراً، بالمعنى الظاهري، أن يختار طريق النجاة السهلة: أن يساير، أو يؤجل، أو يعتزل، أو يحفظ نفسه وأهل بيته من الخطر المباشر. غير أن الإنسان الكامل لا يقيس النجاة بطول البقاء، بل بسلامة العهد مع الله. فما قيمة حياة تطول إذا كان ثمنها موت الضمير؟ وما قيمة جسد ينجو إذا كانت الروح قد سلّمت أمرها للباطل؟ لقد أراد الحسين أن يكشف أن الإنسان إذا فقد الحق فقد نفسه، وإذا حفظ حياته بثمن كرامته فقد أبقى صورته وأضاع حقيقته.

لم يكن خروجه طلباً للموت، ولا اندفاعاً عاطفياً نحو الفاجعة، بل كان موقفاً واعياً أمام عالم اختلطت فيه المقاييس. كان يرى أن الأمة إذا فقدت ميزان الحق صارت القوة معياراً، والخوف شريعة، والطاعة العمياء ديناً مزيفاً. لذلك كان لا بد من موقف يعيد للأشياء أسماءها: الظلم ظلماً، والحق حقاً، والسكوت مشاركة، والكرامة حياة، والعبودية لله أصل الحرية.

في الحسين نرى الإنسان الكامل الذي تحرر من ضغط الخارج ومن فوضى الداخل معاً. لم تملكه سلطة بني أمية، ولم يهزمه خوف الناس، ولم تستدرجه حسابات الربح والخسارة. كما لم يكن أسير مجد شخصي، ولا طالب سلطة، ولا باحثاً عن حضور سياسي عابر. كان مركز قراره في صلته بالله؛ ولذلك صار قادراً على أن يرى ما لا تراه الحسابات القريبة. الحسابات تقول إن القلة تُهزم أمام الكثرة، وإن السيف يغلب الدم، وإن السلطة تكتب التاريخ. أما البصيرة المتصلة بالله فتدرك أن القوة قد تكسب زمناً قصيراً، لكنها لا تملك أن تصنع الخلود، وأن الموقف الحق قد يُحاصر في لحظة، لكنه ينتصر في عمق الزمن.

الحسين عليه السلام جسّد الإنسان الذي عرف نفسه فعرف ربه. عرف أن في داخله توقاً إلى ما هو أوسع من الملك والمال والأمان، وعرف أن هذا التوق لا يملؤه إلا الله. لذلك لم يمنح المحدود سلطة المطلق. لم يجعل البقاء غايته الأخيرة، ولا السلامة معيار قراره، ولا رضا الناس مصدراً لقيمته. لقد عاش كل شيء في حضرة الله، فصار قراره عبادة، وموقفه صلاةً كبرى، ودمه شهادة على أن الطريق إلى الله قد يمر بالألم، لكنه وحده الطريق الذي يحفظ للإنسان إنسانيته.

في هذا النموذج تلتقي الرغبة اللامتناهية بالعبودية الواعية. فالحسين لم يقمع توق الإنسان إلى الكمال، بل وجّهه إلى غايته الحقيقية. لم يُلغِ إنسانيته، بل حررها من عبودية الخوف والمنفعة والسلطة. وبذلك أصبح شاهداً على أن الإنسان لا يصير عظيماً حين يملك العالم، بل حين لا يستطيع العالم أن يملكه؛ ولا يبلغ كماله حين ينتصر على الآخرين، بل حين ينتصر في داخله للحق، ويجعل قلبه موصولاً بالله في أشد لحظات الظلمة.

بهذا لا تُقرأ كربلاء كحدث حزن فقط، بل كمدرسة في بناء الإنسان الكامل: الإنسان الذي يعرف أن الحياة نعمة، لكنها ليست إلهاً؛ وأن الموت صعب، لكنه ليس نهاية المعنى؛ وأن القوة مؤثرة، لكنها ليست معيار الحق؛ وأن الحرية لا تولد من الانفلات من الله، بل من العبودية الصادقة له. فالعبد لله وحده لا يكون عبداً للطاغية، ولا للخوف، ولا للناس، ولا للمصلحة.

لقد صار الإمام الحسين عليه السلام النموذج الأصفى للإنسان الكامل المتصل بالله: يرى الدنيا بعين الحق، ويزن القوة بميزان القيم، ويقرأ الواقع بوعي لا يخدعه ظاهره، ويمضي في الطريق ولو ضاق الطريق. لم يكن كماله خروجاً من إنسانيته، بل بلوغاً بها إلى أفقها الأعلى؛ حيث يصبح الإنسان لله، ومع الله، وفي سبيل الله، فلا يبقى في العالم شيء يستطيع أن يسلبه حريته أو يطفئ نوره أو يهزم معناه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى