الوحدة كشرط نجاة: قراءة في خطاب أردوغان عن اللعبة الدموية والهاوية السحيقة

ب✍️*محمد الجوهري*

‏حين يتحدث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن "اللعبة الدموية والخبيثة" التي أُُحبِطت بوحدة الأتراك والأكراد والعرب والفرس، فهو لا يصف حادثة عابرة بقدر ما يعرّي منطقًا راسخًا في كيفية إدارة هذه المنطقة منذ قرن على الأقل.

‏خلف العبارة يقف تصوّر لعالم يُراد للشرق أن يستقرّ فيه على هيئة كيانات قَلِقة، ومجتمعات ممزّقة، وشعوب متجاورة على خرائط مصطنعة لكنها متناحرة في الوعي والذاكرة والخوف اليومي.

‏في مواجهة هذا النموذج، يضع الرجل فكرة بسيطة في ظاهرها، كثيفة في مضمونها: هذه الشعوب ليست مجرد "تنوع" يُعلّق في الخطاب، بل كتلة تاريخية واحدة؛ إذا تفرّقت سقطت متفرّقة، وإذا تماسكت استحال استكمال اللعبة.

‏استدعاء صور ملاذكرد وفتوح القدس وإسطنبول ومعارك الصمود في جناق قلعة ليس زخرفة خطابية لجمهور متحمّس، بل بناء واعٍ لسردية مضادّة.

‏السردية السائدة في المخيال الغربي ترى أن شعوب هذه المنطقة متنافرة بطبيعتها، محكومة حتمًا بصراع هوية ودم، وأن أفضل ما يمكن فعله هو إدارتها عبر توازنات خوف وحدود مشوّهة.

‏في المقابل، يشير الخطاب إلى أن اللحظات المفصلية في تاريخنا لم تكن انتصار قومية واحدة ولا مذهب واحد، بل كانت نتيجة تداخل عميق بين شعوب المنطقة تحت سقف سياسي وروحي جامع، مهما اختلفت تسمياته في كل مرحلة.

‏بهذا المعنى، تتحوّل "الأخوّة" من مفردة عاطفية مستهلكة إلى مفهوم وجودي دقيق.

‏الأخوّة ليست دعوة إلى المحبة الرومانسية ولا إلى تجاهل التباينات، بل اعتراف بأن المصائر متشابكة إلى حدّ يجعل سقوط طرف، في نهاية المطاف، سقوطًا لبقية الأطراف ولو بعد زمن. الأخوّة هنا ليست ترفًا أخلاقيًا، بل أحد شروط البقاء نفسها: إمّا أن نرتّب خلافاتنا داخل إطار وحدة كبرى، أو نتركها تتناسخ حتى تتحول إلى حروب مفتوحة تنهي الجميع.

‏في المقابل، تُقدَّم الفتنة — طائفية كانت أم قومية أم مناطقية — باعتبارها أداة الحدّ الأدنى لدى القوى المعادية، سلاحًا لا يحتاج إلى جيوش جرّارة ما دام قادرًا على تشغيل مخاوف محلية وإحياء حساسيات قديمة وصناعة "آخر داخلي" يُستنزَف في مواجهته المجتمع قبل أن يلتفت إلى عدوه الحقيقي. عندما يعلن الخطاب فشل محاولات إشعال الفتنة بين الأتراك والأكراد والعرب والفرس، فهو لا يسجّل نصرًا منجزًا بقدر ما يرسم معيارًا للمستقبل: كل سياسة، وكل خطاب إعلامي، وكل تحالف، يُقاس بقدر ما يطفئ من نار الفتنة أو يسكب عليها الزيت.

‏من هذه الزاوية يتجاوز الخطاب حدود تركيا الجغرافية ليخاطب البنية العميقة لمحور المقاومة في المنطقة. فالمحور، في جوهره، ليس مجرد تنسيق عسكري أو تحالف ظرفي في مواجهة خصم مشترك؛ بل هو إعادة تشكيل لوعي جمعي يدرك أن الصراع مع المشروع الصهيوني والإمبريالي لا يمكن أن يُخاض بعقل مشرذم وحدود نفسية متناحرة.

‏الربط المتكرر في الخطاب بين الأتراك والأكراد والعرب والفرس ليس زلّة لسان؛ إنه تذكير بأن الجغرافيا الممتدة من الأناضول إلى الهلال الخصيب وصولًا إلى إيران والخليج ليست فضاءً لخطوط تماس دائمة، بل إمكانية مفتوحة لجبهة تاريخية واحدة إذا استعاد أهلها ثقتهم بأنفسهم وببعضهم.

‏هنا تكتسب صورة "الهاوية السحيقة" معناها الأعمق. الهاوية ليست مجرّد سيناريو حرب أهلية هنا أو تقسيم خريطة هناك؛ إنها حالة وجودية لمنطقة تفقد إحساسها بذاتها، فتتحول شعوبها إلى جزر من الخوف المتبادل، لا ترى في الجار إلا تهديدًا محتملًا.

‏الوقوف على حافة الهاوية هو أن نقبل بأن تُدار علاقتنا ببعضنا من خارجنا، وأن تُصاغ أولوياتنا وفق هندسات الخوف التي ترسمها مراكز القوى الكبرى.

‏الإيحاء بأن المنطقة "نجت" من حافة تلك الهاوية لا يعني أن الخطر زال، بل أن خيار السقوط لا يزال مفتوحًا، وأن النجاة فعل مستمر لا لحظة عابرة.

‏في ظل هذا الأفق، تتوسّع دلالة "المقاومة". لم تعد المقاومة حصرًا في المواجهة المسلحة مع عدو خارجي، بل تبدأ قبل ذلك بكثير: في مقاومة الخطاب الذي يجزّئنا، في تفكيك الصور النمطية التي تُدرَّس لنا عن أنفسنا وعن جيراننا، في رفض القبول بخرائط نفسية مرسومة في مكاتب أجهزة استخبارات ترى في هذه المنطقة حقلاً للتجريب.

‏أن يُقال إننا أبناء "أمة واحدة" من أتراك وأكراد وعرب وفرس، هو إعلان رفض للهوية التي رُسمت لنا من خارجنا قبل أن تكون وصفًا لهوية جاهزة.

‏بهذا كله، يمكن قراءة خطاب أردوغان بوصفه نصًا يؤسس لسؤال أخلاقي وسياسي في آن واحد: أي مستقبل نسمح له أن ينتصر؟ مستقبل تُدار فيه شعوب المنطقة كملفات منفصلة في مؤسسات دولية وغرف قرار غربية، أم مستقبل تعود فيه هذه الشعوب إلى التصرف ككتلة تاريخية تعرف من هي، وماذا تريد، وأين تقف؟ الجواب لا يُكتب فقط في بيانات رسمية، بل يتجسّد في اللغة التي نعتمدها لوصف بعضنا، وفي استعدادنا لأن نرى في "الآخر القريب" امتدادًا لنا لا نقيضًا له.

‏في النهاية، ما يقترحه الخطاب ليس وعدًا سهلًا بالإنتصار، بل معادلة واضحة: كلما ارتفعت الجدران النفسية بين شعوب المنطقة اقتربنا من حافة الهاوية، وكلما هُدمت هذه الجدران لصالح وعي وحدوي حيّ، تحولت "اللعبة الدموية والخبيثة" إلى مشروع فاشل جديد يُضاف إلى سجل المشاريع التي حاولت كسر هذه المنطقة ولم تفلح.

الوحدة هنا ليست ترفًا خطابيًا، بل شرطًا لمن يريد أن يبقى فاعلًا في التاريخ لا مادة خام في مشاريع الآخرين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى