‏الإمام الحسين… حين يصبح الدم طريقاً إلى حياةٍ أصدق

‏ب✍️ محمد الجوهري

‏إلى الذين ما زالوا يسألون…

‏هل يمكن أن يكون الموتُ بدايةً للحياة؟

‏إلى الذين يخافون أن يدفعوا ثمنَ ما يؤمنون به…

‏ويبحثون عن رجلٍ قال:

‏«إني لا أرى الموتَ إلا سعادة،

‏والحياةَ مع الظالمين إلا برماً»…

‏هذه الحكاية… عن الحسين.

‏الحسين بن علي…

‏لم يكن رجلاً خرج يطلب سلطةً ضائعة.

‏كان ابنَ عليٍّ وفاطمة،

‏وحفيدَ النبيّ الذي قال فيه:

‏«حسينٌ مني… وأنا من حسين».

‏كان يعرف منذ صغره…

‏أن اسمه لن يكون مجرّد سطرٍ في كتاب السيرة،

‏بل جملةً كاملةً في كتاب الوعي البشري.

‏حين مات معاوية،

‏وجاء يزيدُ بنُ معاوية ليجلس على كرسيّ الحكم،

‏لم يكن الأمرُ تغييراً في الأسماء فقط.

‏كان تحوّلاً في معنى الإسلام نفسه.

‏دينٌ بُنيَ على العدالة والرحمة،

‏يُرادُ له أن يتحول إلى غطاءٍ

‏لِحُكمٍ يعربدُ بالخمر والظلم وانتهاك الحرمات.

‏في تلك اللحظة…

‏لم يكن الحسينُ أمام خيارٍ سياسيٍّ بسيطٍ

‏بين «القبول» و«الرفض».

‏كان أمام سؤالٍ وجوديٍّ:

‏هل يمكن أن يبايع من جعل الإسلامَ شعاراً…

‏وحوّلَه إلى أداةٍ لكسرِ الإنسان؟

‏الحسينُ لم يخرج إلى كربلاء لأنّه يحبّ الدم.

‏خرج لأنّه يحبّ الله…

‏ويعرف أن حبَّ الله لا يكتمل

‏مع السكوتِ عن ظلمِ عباده.

‏حين قال:

‏«إني لم أخرج أشِراً ولا بطِراً

‏ولا مُفسداً ولا ظالماً،

‏وإنما خرجتُ لطلب الإصلاح في أمة جدي»…

‏كان يعلن أن مشروعَه…

‏ليس ثورةَ غضبٍ عابرة،

‏بل محاولةُ إنقاذٍ لوجهِ الإسلام من التزوير.

‏في عاشوراء…

‏لم يكن الحسينُ وحده في الميدان.

‏كان معه أطفالٌ يصرخون من الظمأ،

‏ونساءٌ يَحملن خوفاً وأملاً معاً،

‏ورجالٌ يعرفون أن السيفَ أمامهم

‏وأنّ التاريخَ خلفهم… يكتب كلّ خطوة.

‏ومع ذلك…

‏لم يرجع.

‏لأنّ المسألة لم تعد مسألةَ «نجاةٍ شخصية».

‏بل مسألةُ سؤالٍ سيُطرَح على كلِّ الأجيال:

‏هل تفضّل أن تبقى حيّاً…

‏وتترك الحقَّ يموت؟

‏أم تقبل أن يموت جسدُك…

‏ويبقى الحقّ حيّاً في ضمير الأمة؟

‏الحسينُ…

‏لم يكن أستاذاً في الفقه فقط،

‏ولا خطيباً على منبرٍ فقط.

‏كان أستاذاً في العرفان العمليّ:

‏علّمنا أن أقوى أشكال التوحيد…

‏هو رفضُ أن تُسجَدَ الجباهُ لغير الله،

‏ولو كانت الجباهُ في أمانٍ ظاهريٍّ

‏تحت راياتٍ ملوّنة.

‏قال عملياً:

‏أن تقول «لا» لوجهٍ واحدٍ من وجوه الظلم…

‏أصدقُ من ألفِ «نعم» لِسَكينةِ الذلّ.

‏في ليلة عاشوراء…

‏لم يكن يقضي الوقت في التخطيط العسكري فقط.

‏كان يقف بين يدي الله،

‏وبعض الروايات تقول:

‏أنّه أمضى الليل بين صلاةٍ ودعاءٍ وتلاوة.

‏كأنّه يقول:

‏المعركةُ الحقيقية…

‏لا تبدأ حين ترتفعُ السيوف،

‏بل حين يثبتُ القلبُ في حضرة ربّه.

‏في كربلاء…

‏انكسر جسدُ الحسين…

‏لكن لم تنكسر روحه.

‏سقط على الثرى،

‏ورُفِعَ رأسُه على الرمح،

‏ودخلت نساؤه وأطفالُه سبايا

‏إلى مدنٍ كانت قبل أيامٍ

‏تُعلن الحبَّ لأهل البيت.

‏ومع ذلك…

‏لم يتراجع معنى ما فعل.

‏لأنّ الدمَ الذي نزف هناك…

‏لم يكن نهايةَ القصة،

‏بل بدايتَها.

‏من ذلك اليوم…

‏لم يعد ممكناً أن يُفهم الإسلام

‏بمعزلٍ عن كربلاء.

‏ولا أن يُفهم الحسين

‏بمعزلٍ عن قضية الإنسان الحرّ

‏في وجه كلِّ زمنٍ يعيد إنتاج يزيد

‏بأسماءٍ مختلفة.

‏الحسين…

‏ليس ذكرى تُستعاد كلَّ محرّمٍ فقط.

‏هو سؤالٌ يُستعاد كلَّ يوم:

‏حين ترى ظلماً…

‏هل تختار أن تكون مع «طمأنينة الجبن»…

‏أم مع «قلقِ الوقوف مع الحق»؟

‏وحين تشعر أن العالم

‏يريد أن يشتري صمتك،

‏هل تذكّر نفسك أن رجلاً

‏رفض أن يبيع حتى دمه…

‏إلّا لله؟

‏ربما لهذا…

‏كلّما ضاق قلبُ المؤمن،

‏لا يفتح فقط كتابَ التاريخ،

‏بل يفتح قلبَه على كربلاء…

‏ليَسمع الحسين يقول له،

‏مع كل خطوةٍ نحو العزة:

‏«لا أرى الموتَ إلا سعادة،

‏والحياةَ مع الظالمين إلا برماً».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى