
ب✍️ د. حسين رعد
لكل عصر عقلٌ يوجه اختياراته ويحدد ما يراه معقولاً أو غير معقول. والعقل النفعي من أخطر العقول التي تتسلل إلى الإنسان والمجتمع، لأنه لا يعلن العداء للقيم دائماً، بل يعيد ترتيبها تحت عنوان المصلحة. إنه لا يقول للإنسان: اترك الحق، بل يقول له: انتظر الوقت المناسب. ولا يقول له: اخن كرامتك، بل يقول: احسب الخسائر جيداً. ولا يقول له: بع ضميرك، بل يقول: كن واقعياً.
بهذا المعنى لم تكن عاشوراء مجرد مواجهة بين الإيمان والكفر، بل مواجهة بين منطقين في فهم الحياة: منطق يرى أن الحق هو الميزان، ومنطق يرى أن المنفعة هي الميزان. العقل النفعي لا ينكر الحق نظرياً، لكنه يؤجله حين ترتفع كلفته، ويقبله حين يكون آمناً، ويتخلى عنه حين يهدد المكاسب. إنه يحوّل القيم إلى زينة أخلاقية صالحة للخطاب، لا إلى التزام يدفع الإنسان ثمنه.
في زمن الإمام الحسين عليه السلام كان كثيرون يعرفون الحق. لم تكن المشكلة في غياب المعرفة وحدها، بل في ضعف الإرادة أمام الكلفة. كانوا يعرفون مقام الحسين، ويعرفون طبيعة السلطة التي يواجهها، لكنهم وزنوا الأمور بميزان السلامة. قال لهم العقل النفعي إن البقاء أولى، وإن العائلة أولى، وإن المصلحة تقتضي الصمت، وإن القوة لا تُقاوم، وإن الدم لا يغير شيئاً. لكن الحسين كشف أن هذا العقل حين ينفصل عن الله يصبح آلة لتبرير الخضوع.
العقل النفعي يبدو حكيماً في ظاهره لأنه يتحدث بلغة الحساب، لكنه قد يكون جباناً في عمقه لأنه لا يرى إلا القريب. يرى عدد الجنود ولا يرى خلود الموقف، يرى قوة السيف ولا يرى ضعف الباطل، يرى خسارة الجسد ولا يرى نجاة الروح. لذلك يظن أن الحسين خسر لأنه قُتل، وأن خصومه انتصروا لأنهم نجوا في لحظة المعركة. لكن الزمن نفسه كذّب هذا الحساب. فالذين ربحوا عسكرياً خسروا أخلاقياً، والذي قُتل في الصحراء صار ضميراً لا يغيب.
ليس النقد الحسيني للعقل النفعي رفضاً للعقل أو التخطيط أو مراعاة الواقع. فالإسلام لا يدعو إلى التهور ولا إلى إلغاء الأسباب. لكنه يرفض أن تتحول المصلحة إلى إله جديد، وأن يصبح البقاء أعلى من الحق، وأن تُختزل الحياة في السلامة. فالحساب مطلوب، لكن السؤال: تحت أي مرجعية؟ هل نحسب لنحفظ الحق، أم نحسب لنتهرب من كلفته؟ هل نقرأ الواقع لنغيره، أم لنبرر الاستسلام له؟
العقل النفعي حين يحكم الإنسان يجعله يساوم على ذاته بالتدريج. في البداية يتنازل عن كلمة، ثم عن موقف، ثم عن معنى، حتى يصل إلى لحظة لا يعود يعرف فيها متى فقد نفسه. أما عاشوراء فجاءت لتقطع هذا الانحدار، ولتعلن أن هناك لحظات يصبح فيها السكوت جريمة، والحياد خيانة، والسلامة سقوطاً. لا لأن الموت مطلوب لذاته، بل لأن الحياة حين تنفصل عن الكرامة تفقد معناها.
لقد كان بإمكان الحسين عليه السلام أن يتصرف بمنطق المنفعة الضيقة، فيحفظ حياته ويترك الأمة لمسارها. لكنه كان يدرك أن الأمة التي تعتاد الباطل تحتاج إلى صدمة تعيد إليها وعيها. لذلك لم يكن موقفه انتحاراً سياسياً كما قد يظن العقل المحكوم بالنتائج القريبة، بل كان فعلاً تأسيسياً في الضمير. أراد أن يضع حداً لتطبيع الظلم، وأن يمنع السلطة من امتلاك الدين والحق والناس في وقت واحد.
إن عاشوراء تكشف عجز العقل النفعي عن فهم الإنسان في أبعاده العميقة. فالإنسان ليس كائناً يبحث عن المنفعة فقط، بل عن معنى يستحق أن يعيش ويموت من أجله. وإذا أُخذ منه هذا المعنى، تحولت حياته إلى بقاء بيولوجي لا أكثر. لهذا لم يكن الحسين يناقش مسألة حكم فحسب، بل كان يدافع عن معنى الإنسان حين يصبح العالم كله سوقاً للمصالح.
في كل عصر يعود هذا السؤال بصورة جديدة: هل نختار الحق حين يكون مكلفاً، أم نرفعه شعاراً حين يكون آمناً؟ هل نضع القيم فوق المصالح، أم نجعل المصالح تفسر القيم كما تشاء؟ هل نعيش بعقل يعبد النتيجة السريعة، أم بعقل يرى أن بعض المواقف تبني التاريخ ولو بدت خاسرة في لحظتها؟
عاشوراء ليست دعوة إلى إلغاء الواقع، بل إلى تحرير الواقع من عبادة المنفعة. إنها تعلّم الإنسان أن يكون عاقلاً دون أن يكون جباناً، وحكيماً دون أن يبيع ضميره، وواقعياً دون أن يجعل الواقع قدراً لا يُرد. لقد وقف الحسين ليقول إن الحق لا يصبح باطلاً لأنه ضعيف، وإن الباطل لا يصبح حقاً لأنه قوي، وإن الإنسان لا يُقاس بما ينجو به جسده فقط، بل بما تنجو به روحه.



