‏حارس البوابة التي لا يملكها: تأملات في سيادة القفص الذهبي

‏ب✍️محمد الجوهري.

‏في المشهد السياسي اللبناني، لا يُقاس السيادة بعلو الصوت، بل بقرار الإستثناء.

‏فحين يطلب رئيس الجمهورية من الموفد السعودي «تحييد» النائب السابق وليد جنبلاط، لا يمارس سيادة بقانون، بل يقرر حالة استثناء سياسية: يخرج خصمه عن الحكم الطبيعي، ويعلن أن الولاء للقصر هو المعيار الجديد.

‏غير أن سؤال الفيلسفوف الألماني كارل شميت الحاسم يظلّ يصدح: "من يقرّر تعطيل القاعدة وفتح باب الإستثناء فعلاً"؟

‏فإذا كان القرار مستورداً من الموفد، فالرئيس ليس سيادياً بل مفوّضاً؛ السيادة الحقيقية لمن يملك قرار الإستثناء، لا لمن يوقّعه بإسمه.

‏أما مع الفيلسفوف الإيطالي جورجيو أغامبين، فتتجاوز الفكرة حدود اللحظة إلى البنية: حالة الإستثناء هنا لم تعد ظرفاً عابراً، بل تحوّلت إلى نمط حكم دائم، حيث يعيش المجتمع سياسياً في منطقة رمادية بين القانون وتعليق القانون، بين الشرعية واللاشرعية، بين الدولة والدولة-الإستثناء.

‏في هذا الأفق، يصبح «تحييد» الخصوم، واستدعاء الخارج لترتيب الداخل، ليس خروجاً مؤقتاً عن القاعدة، بل استبدالاً تدريجياً للقاعدة بنظام استثناء مقنّع تديره العواصم لا الدساتير.

‏المفارقة الفلسفية تتعمّق هنا: الرئيس الذي ينكر الوصاية على خصومه، يطلب من الخارج أن يهيئ له مؤيديه.

‏يريد من السعودية أن تشجع نواباً سنّة وقيادات من بيروت والشمال على زيارة قصر بعبدا لإعلان الدعم لمساره.

‏أليس هذا تحويل القصر إلى «قفص ذهبي»؟ فكما في مثال نيتشه، يتوهّم السجين أنه حر لأنه يملك مفتاح القفص، بينما القفص نفسه مملوك لغيره، والفضاء السياسي من حوله مصمّم على مقاس المموّل والموفد والراعي.

‏الرئيس يملك مفتاح القفص: يدعو، يستقبل، يصرّح. لكن القفص – أي شرعيته وسلطته – مملوك لمن يملك قرار الإستثناء ومن يضبط إيقاعه.

‏فهو يريد من الخارج أن يضمن له طاعة من لا يطيع، وولاء من لا يوالي. والتبعية، في هذه الحالة، ليست عيباً يُخفى، بل منهجاً يُعلَن، حيث تُعلَّق السيادة كلما استُدعيت «الضرورة»، وتُستدعى الوصاية كلما احتيج إلى «تحييد» خصم أو صناعة أكثرية.

‏الغمز هنا لا يحتاج إلى براعة: كيف يُنكر الرئيس الوصاية على مخالفيه، بينما يقبلها لنفسه؟ كيف يصف خصومه بالعمالة حين يطلبون دعماً خارجياً، بينما يصف هو نفسه بالسيادة حين يطلب الدعم ذاته؟

‏في منطق شميت وأغامبين، لا يعود السؤال: من هو الوطني ومن هو العميل؟ بل: من يقرر الإستثناء ولمن تُمنَح صلاحية تعليق السيادة؟

‏في النهاية، ليست المسألة في من يزور قصر بعبدا، بل في من يملك مفاتيح القصر ويحدّد لحظة فتحه وإغلاقه. فإذا كانت المفاتيح في جيوب الموفدين، والإستثناء هو القاعدة غير المعلنة للنظام، فلا عجب أن يصبح الرئيس مجرّد حارس لبوابة لا يملكها، وأن تصبح السيادة وهماً يمارسه السجين في قفصه الذهبي، تحت عين الوصي الذي يقرّر له متى يُفتح ومتى يُغلق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى