
شهدت مدينة شرم الشيخ في جمهورية مصر العربية انعقاد “المؤتمر الدولي للوساطة والتحكيم وأثرهما في التنمية الاقتصادية وجذب الاستثمارات”، بمشاركة نخبة من الخبراء والمحكمين والأكاديميين والمحامين والمستشارين القانونيين من مختلف الدول العربية، وفي مقدمتها مصر ولبنان والأردن والجزائر و العراق، وذلك بتنظيم وإشراف الوحدة العربية لفض المنازعات التي نجحت في جمع نخبة من المتخصصين في منصة علمية هدفت إلى مناقشة مستقبل الوساطة والتحكيم ودورهما في دعم التنمية الاقتصادية وتعزيز البيئة الاستثمارية في المنطقة العربية.
وافتتح الامين العام الأستاذ ناصر زكي أعمال المؤتمر بكلمة رحب فيها بالوفود العربية المشاركة، مؤكداً أن العالم يشهد اليوم تحولات اقتصادية واستثمارية متسارعة، بالتزامن مع مشاريع إعادة الإعمار في عدد من الدول، الأمر الذي يضع صناعة التحكيم الدولي أمام مسؤولية كبيرة في توفير الضمانات القانونية التي تعزز ثقة المستثمرين وتشجع تدفق رؤوس الأموال.
وأشار إلى أن التحكيم الدولي أثبت، منذ إرساء قواعده، مكانته كأفضل وسيلة لتسوية المنازعات التجارية والاستثمارية، لما يتمتع به من السرعة والحياد والمرونة والسرية، بعيداً عن بطء وتعقيدات إجراءات التقاضي التقليدية، مؤكداً أهمية تطوير مراكز التحكيم العربية، وتحديث التشريعات الوطنية بما يواكب المعايير الدولية، وفي مقدمتها قواعد الأونسيترال، وتأهيل الكفاءات القانونية، وتفعيل بنود التحكيم في العقود الحكومية والاستثمارية.
كما أوضح في كلمته الفرق بين الوساطة والتحكيم، مبيناً أن الوساطة تقوم على تدخل وسيط محايد يساعد أطراف النزاع على الوصول إلى حل توافقي دون فرض قرار عليهم، في حين يُعد التحكيم وسيلة قانونية يتفق فيها الأطراف على إحالة النزاع إلى محكم أو هيئة تحكيمية تصدر حكماً ملزماً ونهائياً، بما يوفر الاستقرار القانوني ويعزز الثقة بالبيئة الاستثمارية.
وشارك في المؤتمر وفود رسمية وعلمية من عدد من الدول العربية، حيث ترأس الوفد اللبناني كل من الدكتور نزار نجد و المحامية الاستاذة مروج الخطيب، وضم نخبة من المحامين والخبراء والمستشارين، من بينهم الباحثة لولوة محسن، والأستاذ دياب ناهص، و المحامين الأستاذة هاني مراد و حسن ديب و بشير بيطار و غابي دكاش، إلى جانب عدد من المتخصصين في مجالات القانون والتحكيم.
وألقت الاستاذة مروج الخطيب كلمة باسم الوفد اللبناني، أكدت فيها أن التحكيم والوساطة لم يعودا مجرد وسائل بديلة لحل المنازعات، بل أصبحا من الركائز الأساسية لتحقيق الأمن القانوني وجذب الاستثمارات، خاصة في ظل المتغيرات الاقتصادية التي تشهدها المنطقة. كما شددت على أهمية تطوير التشريعات العربية، وتعزيز التعاون بين مراكز التحكيم، والاستثمار في إعداد الكفاءات القانونية، بما يسهم في بناء منظومة تحكيم عربية أكثر كفاءة وفاعلية.
وفي أولى الجلسات العلمية، قدّم الدكتور عناني من جمهورية مصر العربية محاضرة بعنوان “العقود الإدارية ذات الطابع الدولي والتحكيم فيها”، تناول فيها مفهوم العقود الإدارية الدولية وصورها المختلفة، والخصائص التي تميزها عن غيرها من العقود، مع دراسة مقارنة للتشريعات المنظمة للتعاقدات الإدارية في مصر ولبنان والجزائر والعراق والمملكة العربية السعودية.
كما استعرض أهمية التزام الإدارة بمبادئ القانون العام والحوكمة الإدارية في إبرام العقود وتنفيذها، مدعماً محاضرته بأمثلة وتطبيقات عملية، إلى جانب تناوله للنظريات القانونية الحاكمة للعقود الإدارية، وفي مقدمتها نظرية القوة القاهرة، ونظرية الظروف الطارئة، ونظرية فعل الأمير، ونظرية أعمال السيادة، موضحاً أثرها في تحقيق التوازن العقدي وحماية المصلحة العامة.
وتطرق كذلك إلى التطورات الحديثة في العقود الإدارية ذات الطابع الدولي وضمانات حماية الاستثمار، وموقف هيئات التحكيم من سلطة الإدارة في تعديل العقد بإرادتها المنفردة، قبل أن يختتم محاضرته بورشة عمل تطبيقية حول عقود التصميم والإنشاء والتشغيل والتحويل (BOT)، ركز خلالها على الصياغة القانونية للعقود، وتحديد حقوق والتزامات الأطراف، وأهمية صياغة شرط التحكيم بصورة دقيقة تضمن حسن إدارة المنازعات.
كما شهد المؤتمر محاضرة للدكتور منير خضير من المملكة الأردنية الهاشمية، تناول فيها أهمية التحكيم الدولي في مواكبة التحولات الاقتصادية العالمية، ودوره في توفير بيئة قانونية مستقرة تسهم في تشجيع الاستثمار، ولا سيما في ظل مشاريع إعادة الإعمار التي تشهدها بعض الدول العربية. وأكد أن تطوير صناعة التحكيم في المنطقة العربية يتطلب تحديث التشريعات، وتعزيز دور مراكز التحكيم الوطنية، وتأهيل المحكمين، وتوسيع الاعتماد على قواعد الأونسيترال، بما يرسخ الثقة في أنظمة تسوية المنازعات ويعزز مكانة الدول العربية كمقاصد آمنة للاستثمار.
وشكلت جلسات المؤتمر منصة علمية لتبادل الخبرات بين المختصين، ومناقشة التحديات التي تواجه الوساطة والتحكيم، واستشراف مستقبل تسوية المنازعات في ظل التطورات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة، مع التأكيد على ضرورة الخروج بتوصيات عملية تدعم التنمية الاقتصادية وتواكب احتياجات المستثمرين.
ومن لبنان، شاركت الدكتورة المحامية سحر محسن في أعمال المؤتمر ضمن الوفد اللبناني، حيث تلقت دعوة خاصة من اللجنة المنظمة لتقديم وإدارة أعمال المؤتمر، إلى جانب تسليم شهادات المشاركة للمحاضرين والمشاركين، في تقدير يعكس مكانتها الأكاديمية والمهنية وثقة القائمين على المؤتمر بخبرتها القانونية في مجال التحكيم.
وعقب مشاركتها، دعت الدكتورة سحر محسن إلى الاستفادة من التجارب والخبرات التي طُرحت خلال المؤتمر، وقدمت مجموعة من التوصيات الرامية إلى تطوير منظومة التحكيم في لبنان، تمثلت في تحديث قانون التحكيم اللبناني بما ينسجم مع المعايير الدولية وقانون الأونسيترال النموذجي، وتعزيز دور الوساطة في تسوية المنازعات التجارية والاستثمارية، وتشجيع اعتماد بنود التحكيم في العقود الحكومية والاستثمارية وفق صياغات قانونية متخصصة، ودعم مراكز التحكيم اللبنانية وتمكينها من استقطاب المنازعات الإقليمية، إلى جانب الاستثمار في إعداد وتأهيل المحكمين والوسطاء، وتعزيز التعاون بين الجامعات ونقابتي المحامين ومراكز التحكيم، وتطوير منظومة التحكيم الإلكتروني، بما يسهم في ترسيخ مكانة لبنان كمركز إقليمي للتحكيم وتسوية المنازعات وجذب الاستثمارات.
و طرح الدكتور نزار نجد المسألة التحكيمية التي وضعت موضع المناقشة في المؤتمر .
واختتم المؤتمر أعماله بالتأكيد على أن الوساطة والتحكيم لم يعودا مجرد وسائل بديلة لتسوية المنازعات، بل أصبحا ركيزتين أساسيتين لتحقيق الأمن القانوني، ودعم التنمية الاقتصادية، وتعزيز ثقة المستثمرين، بما يفتح آفاقاً أوسع للتعاون العربي في بناء منظومة تحكيم حديثة وقادرة على مواكبة المتغيرات الإقليمية والدولية.





