
ب✍️محمد الجوهري.
في زمن تتصدّر فيه الأسماء الأجنبية دكّة البدلاء في الدوري اللبناني الممتاز، يقف يوسف الجوهري كأحد الأدلة الحيّة على أن المدرب المحلي قادر على منافسة الجميع وتحقيق ما يعجز عنه الكثيرون. مسيرة الجوهري لم تكن نتاج صدفة أو حظ عابر، بل حصيلة عمل متراكم بدأ من القاعدة وصولاً إلى قمة الكرة اللبنانية.
ـ من القاعدة إلى القمة
بدأ الجوهري مسيرته كلاعب في صفوف أندية العهد والمبرة والحكمة، قبل أن يتحول إلى التدريب حيث أثبت جدارته منذ اللحظة الأولى. فقد قاد نادي مجدل عنجر إلى الترقي إلى الدرجة الثانية في موسم 2016-2017، ثم تولى تدريب الفريق الأول في نادي شباب البرج، ليؤسس لنفسه سمعة كمدرب يمتلك بصمة واضحة في بناء الفرق وصناعة النتائج.
كما امتدت خبرته إلى المستوى الوطني، حيث تولى قيادة منتخب لبنان تحت 23 عاماً في بطولة غرب آسيا 2022، وواصل هذه المسؤولية في التصفيات الآسيوية تحت 23 عاماً لعام 2026، مؤكداً أن ثقة الإتحاد اللبناني لكرة القدم به لم تكن يوماً في غير محلّها.
*الأنصار: من التعثر إلى الصدارة والتاج الخامس عشر*
في تشرين الثاني 2023، وضع نادي الأنصار ثقته في يوسف الجوهري ليخلف المدرب المغربي إدريس مرابط على رأس الجهاز الفني للفريق الأول.
ومن اللحظة التي تسلّم فيها المهمة، بدأ الجوهري بإعادة صياغة هوية "الزعيم الأخضر" وبناء فريق منضبط قادر على المنافسة على أعلى المستويات. وخلال موسم 2024-2025، قاد الجوهري الأنصار لأكثر من 18 مباراة متتالية شكّلت العمود الفقري لموسم استثنائي، حيث تصدّر الفريق ترتيب الدوري بسجل نظيف من الخسارة، ولم يتجاوز عدد هزائمه طوال المسابقة خسارتين فقط. حتى المواقع التي غطت مرحلة الحسم النهائي في تتويج الأنصار أقرّت بصريح العبارة أن نتائج الجوهري طوال أكثر من 18 مباراة هي التي مهّدت الطريق وسهّلت تتويج الأنصار باللقب، إذ انتشل الفريق من التعثر ووضعه على سكة الصدارة التي لم يفارقها حتى النهاية.
حصل الأنصار في نهاية ذلك الموسم على لقبه الخامس عشر في تاريخه، مُعزّزاً رقمه القياسي كأكثر الأندية تتويجاً بالدوري اللبناني، وقد لخّص الجوهري نفسه هذا الإنجاز في حديث تلفزيوني بكل بساطة وثقة: "بدي درِّب بطل لبنان… والحمد لله حققته" .
عبارة تختصر مساراً حافلاً بالطموح والإصرار على الوصول إلى القمة، ثم الوصول إليها فعلاً.
*أندية خسرته… لا العكس*
الملفت في مسيرة الجوهري أن كل محطة تركها كانت خسارة لصاحب القرار لا له. فبعد أن ارتفعت وتيرة النتائج في النصف الثاني من موسم 2024-2025، قدّم الجوهري استقالته من تدريب الأنصار في حزيران 2025، ليحل محله المدرب الصربي دراغان يوفانوفيتش لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها هي أن الأساس الذي بُني عليه اللقب الخامس عشر كان من صنع الجوهري، وأن من تخلّى عنه إنما تخلّى عن الرجل الذي حمل الفريق على كتفيه في أصعب المراحل. وينسحب الأمر ذاته على محطاته السابقة، حيث غادر كل ناد وهو يترك خلفه أثراً واضحاً ومكسباً فنياً حقيقياً، لا فراغاً.
جويا: تحدٍّ جديد وإثبات لا يحتاج إلى دليل
لم يمضِ وقت طويل قبل أن يجد الجوهري بيتاً جديداً يستحق طاقاته. فقبل انطلاق موسم 2025-2026، تعاقد نادي جويا — البطل الصاعد حديثاً من الدرجة الثانية بعد تتويجه بلقبها في موسم 2024-2025 — مع يوسف الجوهري ليكون مديراً فنياً لفريقه الأول، مستفيداً مباشرة من سجله الحافل مع الأنصار ومن قبله مع نادي النجمة حيث قاده للفوز بكأس لبنان.
في نادي جويا، كانت المهمة تحمل في طياتها تحدياً حقيقياً: قيادة فريق ناشئ في أعلى مستويات الكرة اللبنانية لأول مرة في تاريخه، وسط توقعات بأن يكون موسم التأسيس صعباً كما هو حال أغلب الفرق الصاعدة حديثاً، لكن الجوهري كسر كل التوقعات.
فبعد 21 جولة من الدوري اللبناني الممتاز، يحتل نادي جويا حالياً المركز الرابع برصيد 38 نقطة (11 فوزاً و5 تعادلات و5 هزائم فقط)، متقدماً على أندية عريقة ومخضرمة في المنافسة اللبنانية.
أن يوضَع فريق صاعد حديثاً بين أفضل أربعة أندية في البلاد منذ موسمه الأول في الدرجة الأولى ليس أمراً عابراً، بل هو دليل إضافي على قدرة الجوهري على صناعة النتائج بصرف النظر عن حجم الإمكانيات المتاحة له. وقد عبّر الجوهري بنفسه في مقابلة تلفزيونية عن طموحاته مع جويا والعقبات اللوجستية التي يعمل على تجاوزها، مؤكداً أن الفريق "يملك كل مفاتيح الاستمرارية" في المنافسة على أعلى المستويات.
*مدرب يصنع القيمة أينما ذهب.*
من مجدل عنجر إلى منتخب لبنان تحت 23 عاماً، ومن قيادته لفريق النجمة حيث حقق انجاز الربح بكأس لبنان ومن تتويج الأنصار بلقبه الخامس عشر إلى دفع جويا الصاعد حديثاً إلى دائرة الأربعة الأوائل، يرسم يوسف الجوهري مساراً واضحاً لمدرب يترك أثراً حقيقياً في كل محطة يمرّ بها.
إنه نموذج للمدرب المحلي الذي لا يحتاج إلى شهادات خارجية لإثبات كفاءته، بل تكفيه النتائج على أرض الملعب لتتحدث عنه. والحقيقة التي تفرض نفسها اليوم هي أن كل ناد ابتعد عنه لم يفعل ذلك لأن الجوهري قصّر، بل لأن الظروف والقرارات الإدارية أخذت مساراً آخر — وفي كل مرة، كان النادي هو من خسر مدرباً أثبت أنه من أفضل ما أنتجته الكرة اللبنانية في السنوات الأخيرة



