
من لا يشبه جيشه لا يشبه وطنه". توصيف لقائد الجيش العماد رودولف هيكل أصاب فيه. فالمؤسسة العسكرية تجسيد لفكرة الوحدة الوطنية والمشترك بين اللبنانيين والسيادة والمواطنة. وهذا ما ينبغي أن يكون عليه واقع اللبنانيين جميعا حتى يتم بناء الدولة غير المكتملة والتي يعيق بناءها المحاصصة الطوائفية والسقوف المتعددة للمواطنة وغياب الإصلاح السياسي والإداري وتعطيل دور المؤسسات الرقابية وعدم تطبيق القانون. والمثال الصارخ لهذا الواقع هو صدور قانون الاعلام الأخير الذي صوّت عليه النواب من دون نقاش لمواده والذي ألغى تميّز لبنان عن محيطه الاقليمي والعربي بأنه البلد الذي يعتمد "الحرية الاعلامية" فيما "اعلام المحيط" هو إعلام الحاكم. وهكذا كانت المشيئة في قانون الاعلام اللبناني. إعلام تتحكّم به الطبقة السياسية الطوائفية وتخضعه لإجراءات تعسفية وتغتال فيه حرية التعبير وتخضع فيه الاعلاميين إلى الملاحقة الجزائية والغرامات المالية. كما يتم اختيار أعضاء الهيئة المشرفة على الاعلام إلى اعتبارات الولاء والمحسوبية لا لما كان الرئيس الشهيد رفيق الحريري يسعى إليه بأن يكون الاختيار من النخب الفكرية والمتخصصة وصاحبة الكفاءة والخبرة والسمعة الحسنة".
القانون الجديد يشرّع بشكل ما الحماية السياسية والطوائفية للمؤسسات الاعلامية. وكانت مثل هذه الحماية خضعت لمبدأ المحاصصة الطوائفية خلافا لما كان ينص عليه القانون المرئي والمسموع رقم ٣٨٢/٩٤. ولكن التطورات الاعلامية والتقنية وصعوبات الواقع الاعلامي في لبنان الناجمة عن تراجع الدورة الاقتصادية والاعلان والصناعة الدرامية أعطت مكان التأثير للاعلام الالكتروني الوافد والذي احتضنه المجلس الوطني للاعلام المرئي والمسموع باعتباره الإعلام الواعد الذي يمكن أن يعيد مكانة الاعلام المميزة في المنطقة وعلى مستوى العالم مستفيدا مما توفّره الحرية الاعلامية المسؤولة ومن المعلومة الصحيحة والموثوقة ومن الإلتزام بالموضوعية من سرعة الإنتشار والتواصل.
هذا وكانت الدوافع الأساسية للبحث في تعديلات للقانون المرئي والمسموع رقم ٣٨٢/٩٤ منذ ما يزيد على عشر سنوات هو اكتشاف العثرات في هذا القانون في كون غياب تطبيقه يعود للصلاحيات الاستشارية للمجلس الوطني للاعلام المرئي والمسموع الذي ينبغي عليه رفع توصية بالاجراء المناسب للحكومة التي يمكن أن تأخذ به أو لا. من هنا كان التوجه لإعطاء المجلس الوطني للاعلام المرئي والمسموع صلاحيات تقريرية وتنفيذية تحرره من الاستنساب السياسي وبالإرتكاز إلى محكمة اعلامية وإلى تنظيم الاعلام الالكتروني وحرية إنشائه والتزامه بضوابط القانون واعتباره إعلاما مرئيا ومسموعا طالما لا يأخذ طابع "المراسلة الشخصية". هذا وكان الإتجاه العام هو إلى إلغاء وزارة الاعلام من دون المساس بهيكليتها وبتطوير التلفزيون العام والإذاعة الوطنية والوكالة الوطنية خصوصا وأن هناك من كان يدعو إلى بيع التلفزيون العام باعتباره مكلفا للدولة من دون إدراك أن ما يحتاجه اللبنانيون هو "خطاب وطني جامع" يوفّره في ظل الاعلام الطوائفي السائد.
والمفاجأة في قانون الاعلام الذي أقرّه مجلس النواب في الأيام الأخيرة أنه ذهب إلى حد إلغاء المجلس الوطني للاعلام المرئي والمسموع ومعه موقع نقابتي الصحافة والمحررين وملاحظاتهم الكثيرة. وإلى التحكم "بتوصيف" من كان يعيق تطبيق القانون سابقا. ومن كان يتدخّل لدى القضاء.. وكيف سيتعامل مع ما يزيد على ١٠٠٠ موقع الكتروني مسجل لدى المجلس الوطني للاعلام المرئي والمسموع ويمتلك علما وخبرا ويمارس المهمة الاعلامية. كما السؤال إلى رئيس اللجنة البرلمانية الاعلامية كيف يتخلى عن مشروع قانون للاعلام كانت قد أقرّته لجنة بمشاركة كل مكوّنات مجلس النواب ومعهم كل المكوّنات الاعلامية والخبراء الاعلاميين ونقابتي الصحافة والمحررين والمجلس الوطني للاعلام المرئي والمسموع.
بصراحة فخامة الرئيس العماد جوزاف عون أخذ على عاتقه في خطاب القسم رسم خريطة طريق لبناء الدولة وإجراء الاصلاح السياسي والاداري ومواجهة الفساد. وهذه بارقة أمل تجاوب معها المواطنون ورأوا فيها استعادة لما كان قد بدأه الرئيس الراحل الجنرال فؤاد شهاب. لكن ما نلمسه من تسرّع في سن القوانين ومن تراخي في معالجة مشاكل مؤذية للمستأجرين وأموال المودعين ولارتفاع حاد في الأسعار ولجشع كبار التجار ولظاهرة المحاصصة. كل ذلك يدفعنا إلى الاستنتاج بأن على صاحب خطاب القسم أن يقول كلمته ولا يكتفي فقط بمتابعة المفاوضات. فترتيب شؤون الداخل وفقا لمقاربة إصلاحية هي التي تحمي طريقه في التفاوض وتعزز من مكانة الجيش في الجنوب وتعطي مكانا للرهان على دور أميركي يتعارض مع رؤية نتنياهو التوسعية.
عبد الهادي محفوظ



