راشد شاتيلا: من الجنوب إلى بيروت… لبنان الذي نريده وطنٌ لا يخسر شبابه بل يبني بهم المستقبل

هناك أسئلة تبدو في ظاهرها محلية، لكنها في حقيقتها تختصر مستقبل الوطن كله: ماذا سيكون مصير شباب الجنوب؟ وماذا ستكون عليه بيروت؟ وأين سيجد الشاب اللبناني مكانه في لبنان ؟

لا يمكن فصل مستقبل الجنوب عن مستقبل بيروت، ولا يمكن فصل مستقبل أي منطقة لبنانية عن الأخرى. فإذا خسر الجنوب أبناءه، خسرت بيروت جزءاً من طاقة لبنان البشرية. وإذا بقيت بيروت تستقطب الشباب لأنها المكان الذي تتركز فيه الفرص، من دون أن تستطيع أن تمنحهم حياة مستقرة، فستستمر الرحلة نفسها: من القرية إلى المدينة، ومن المدينة إلى الخارج.

لذلك لا ينبغي أن تكون إعادة إعمار الجنوب وبيروت مجرد عملية لإصلاح ما هدمته الأزمات. إنها فرصة لإعادة التفكير في لبنان نفسه: كيف نوزع الفرص؟ كيف نخلق اقتصاداً قادراً على استيعاب شبابه؟ وكيف نجعل الانتماء إلى الوطن خياراً مستقبلياً، لا مجرد ارتباط عاطفي بالماضي؟

لبنان الذي نحتاج إلى بنائه ليس لبناناً يعيد إنتاج ما كان عليه، بل لبناناً يجعل البقاء فيه ممكناً، والعمل فيه كريماً، والطموح فيه قابلاً للتحقق.

أخطر ما يمكن أن نفعله بعد أي دمار هو أن نعيد بناء الأشياء بالطريقة نفسها التي كانت عليها قبل أن تهدم. فإعادة الإعمار الحقيقية لا تعني إعادة الجدران فقط، بل إعادة بناء القدرة على الحياة.

علينا أن نسأل بجرأة: هل كان النموذج الاقتصادي السابق قادراً على الاحتفاظ بالشباب؟ هل كانت القرى مرتبطة بما يكفي بالأسواق؟ هل كان خريجو الجامعات يجدون فرصاً تتناسب مع طموحاتهم؟ وهل كانت الهجرة مجرد نتيجة للأزمات، أم أنها كانت أيضاً نتيجة لاقتصاد لم يستطع أن يقدم بديلاً مقنعاً؟

لهذا يجب أن يتحول الجنوب إلى مساحة اقتصادية جديدة تجمع بين الزراعة الحديثة، والصناعات الغذائية، والسياحة، والطاقة المتجددة، والخدمات، والتكنولوجيا، وريادة الأعمال.

يمكن لشجرة الزيتون أن تكون أكثر من محصول؛ يمكن أن تصبح سلسلة كاملة من القيمة تبدأ بالمزارع، وتمر بالتصنيع والتغليف والتسويق الرقمي، وتنتهي بمنتج لبناني يصل إلى الأسواق العالمية. ويمكن للقرية أن تكون أكثر من مكان للسكن؛ يمكن أن تصبح مكاناً للإنتاج والعمل والابتكار.

الجنوب الذي نريده ليس جنوباً ينتظر التعويضات، بل جنوباً يصنع الفرص.

1. الشباب ليسوا ملفاً اجتماعياً… إنهم رأس مال لبنان الحقيقي

غالباً ما يُنظر إلى الشباب باعتبارهم فئة تحتاج إلى الدعم. لكن الحقيقة أعمق بكثير: الشباب هم الثروة التي تحدد قدرة أي دولة على البقاء والتجدد.

الطريق لا يكفي إذا غادر من سيستخدمه. والمدرسة لا تكفي إذا هاجر خريجوها. والمصنع لا يكفي إذا لم نجد من يمتلك المهارات اللازمة لتشغيله. والمدينة لا يمكن أن تزدهر إذا أصبح أكثر أبنائها إنتاجاً يعيشون في الخارج.

لذلك يجب أن تتغير فلسفة التعامل مع الشباب. لا نريد أن نقول لهم: «ابقوا لأن لبنان وطنكم». بل نريد أن نبني لبناناً يستطيع أن يقول لهم: «ابقوا لأن لديكم هنا فرصة حقيقية».

الفرصة تعني وظيفة لائقة، وتعليماً جيداً، وسكناً يمكن تحمله، ونقلاً فعالاً، وإنترنت سريعاً، وإمكانية تأسيس مشروع، وحماية اجتماعية، وبيئة تسمح للإنسان بأن يخطط لعشر سنوات قادمة من دون أن يشعر أن مستقبله معلق على تأشيرة سفر.

حين يصبح النجاح ممكناً داخل لبنان، لن نحتاج إلى مطالبة الشباب بالبقاء. سيختارون البقاء بأنفسهم.

2 بيروت والجنوب: من المنافسة على الفرص إلى الشراكة في صناعة الفرص

ليس المطلوب أن تصبح كل المناطق اللبنانية نسخة عن بيروت، كما لا ينبغي أن تبقى بيروت مدينة تستنزف بقية المناطق بحثاً عن الكفاءات والوظائف.

الأفضل هو أن يصبح لبنان شبكة متكاملة من المدن والقرى والمراكز الاقتصادية، لكل منطقة دورها، وكل منطقة تستفيد من الأخرى.

يمكن لبيروت أن تكون مركزاً للأعمال والمال والإعلام والثقافة والتكنولوجيا والخدمات المتقدمة، بينما يستطيع الجنوب تطوير قطاعات قوية في الزراعة والصناعات الغذائية والسياحة والطاقة والخدمات الرقمية. ويمكن للجامعات أن تربط المعرفة بالاقتصاد، وللشركات أن تعمل عبر أكثر من منطقة، وللشباب أن يعيشوا في مكان ويعملوا مع مؤسسات في مكان آخر.

تخيل شاباً يعيش في صور ويعمل مع شركة في بيروت. ومصمماً في بيروت يطور هوية تجارية لمنتج جنوبي. وشركة غذائية في الجنوب تستخدم خدمات محاسبية وتسويقية من العاصمة. وطالباً جامعياً يتدرب في مشروع خارج مدينته. وسائحاً يبدأ رحلته من بيروت ثم يكتشف الجنوب.

هنا يصبح لبنان سوقاً واحدة للفرص، لا مجموعة جزر تتنافس على ما تبقى من الوظائف.

1. بيروت المستقبل: مدينة يعيش فيها الشباب، لا مدينة يعملون فيها فقط

إعادة بناء بيروت لا يجب أن تُقاس بعدد الأبنية التي ستُرمم، بل بنوعية الحياة التي ستُخلق داخلها.

فالمدينة ليست حجارة وإسمنتاً. المدينة هي السكن، والعمل، والنقل، والثقافة، والمساحات العامة، والبيئة، والأمان الاجتماعي، والقدرة على تكوين حياة كاملة.

إذا أصبحت بيروت أجمل لكن أصبح السكن فيها مستحيلاً للشباب، فقد أخطأنا. وإذا بنيت مكاتب جديدة من دون شركات وفرص، فقد بنينا مساحات فارغة. وإذا أُعيد تأهيل الشوارع من دون نقل عام فعال، بقيت المدينة أسيرة الازدحام والكلفة.

بيروت التي نريدها يجب أن تكون مدينة صديقة للشباب: أحياء تجمع بين السكن والعمل والخدمات، مساحات للمشاريع الناشئة، مبانٍ يمكن إعادة استخدامها كمراكز ثقافية وإبداعية، نقل عام حديث، مساحات خضراء، وأماكن عامة يستطيع الإنسان أن يعيش فيها من دون أن يكون مضطراً إلى الإنفاق باستمرار.

نجاح بيروت لن يكون عندما تبدو جديدة فقط، بل عندما يشعر شاب في العشرين أو الثلاثين أن بإمكانه أن يبني فيها حياة كاملة.

4⁠. لبنان الأخضر: حين تصبح البيئة جزءاً من الاقتصاد والعدالة الاجتماعية

لا يمكن أن نبني اقتصاد المستقبل بعقلية الماضي، ولا يمكن أن نتعامل مع البيئة باعتبارها ترفاً يأتي بعد انتهاء الأزمات.

الجنوب قادر على الجمع بين الطاقة الشمسية والزراعة الحديثة، وبين السياحة والطبيعة، وبين حماية المياه وخلق فرص اقتصادية جديدة. وبيروت قادرة على الاستثمار في النقل العام، والمشي، والدراجات، والمساحات الخضراء، وكفاءة المباني وإدارة النفايات والمياه.

لكن البيئة ليست فقط قضية مناخية. إنها قضية اجتماعية أيضاً.

عندما ينخفض استهلاك الطاقة، تنخفض كلفة الحياة. وعندما يصبح النقل العام فعالاً، يصبح الوصول إلى العمل متاحاً لعدد أكبر من الناس. وعندما تتوفر الحدائق والمساحات العامة، يصبح للإنسان مكان للعيش والتفاعل من دون أن يدفع ثمناً دائماً.

ويجب ألا يكون هذا المستقبل مصمماً للشباب وحدهم. فالمدينة الحديثة هي المدينة التي يستطيع فيها المسن أن يتحرك باستقلالية، ويستطيع فيها الشخص ذو الإعاقة الوصول إلى الجامعة والعمل والمستشفى والحديقة والنقل العام من دون حواجز.

الأرصفة المناسبة، والمصاعد، والمنحدرات، والمواصلات القابلة للوصول، والخدمات الصحية القريبة ليست كماليات. إنها علامات على دولة تحترم الإنسان.

1. من الإعانة إلى التمكين: إعادة الإعمار يجب أن تبني كرامة الإنسان

في الأزمات، تصبح المساعدة ضرورة. لكن لبنان لا يستطيع أن يجعل المساعدة نموذجاً دائماً للحياة.

لا نريد جيلاً ينتظر منحة كل عام؛ نريد جيلاً قادراً على تأمين دخله. لا نريد مزارعاً ينتظر تعويضاً؛ نريد مزارعاً يستطيع بيع إنتاجه بسعر عادل. لا نريد شخصاً ذا إعاقة يعيش على المساعدة؛ نريد مجتمعاً يزيل العوائق أمام عمله ومشاركته. ولا نريد أن يكون المسن مجرد متلقٍ للرعاية؛ نريد نظاماً يضمن له الاستقلال والكرامة.

وهنا يمكن أن تتحول الحاجات الاجتماعية نفسها إلى قطاعات اقتصادية جديدة: مراكز رعاية نهارية، خدمات منزلية منظمة، إعادة تأهيل، وسائل نقل متخصصة، تكنولوجيا مساعدة، ومهن جديدة في الرعاية والخدمات الصحية والاجتماعية.

وفي قلب كل ذلك يأتي التعليم. لا يمكن أن نبني اقتصاداً جديداً بعقلية تعليمية تهيئ الشباب لوظائف تختفي.

نحتاج إلى مهارات رقمية، وذكاء اصطناعي، ولغات، وريادة أعمال، وتفكير نقدي، وثقافة مالية، وطاقة وبيئة، وتصنيع حديث، وتعليم مهني متطور. والأهم أن نربط الجامعات بسوق العمل حتى لا تصبح الشهادة نهاية الطريق، بل بداية القدرة على إنتاج القيمة.

6. لبنان الذي يستحق أن يبقى من أجله الشباب

في النهاية، لا يُقاس نجاح إعادة إعمار الجنوب وبيروت بعدد المنازل التي ستُبنى، ولا بعدد الشوارع التي ستُرمم، ولا بحجم الإسمنت الذي سيُستخدم.

النجاح الحقيقي يبدأ عندما يصبح الإنسان هو مركز المشروع كله.

عندما يستطيع شاب من الجنوب أن يعمل مع العالم من بلدته. وعندما يستطيع شاب من بيروت أن يؤسس مشروعاً من دون أن يشعر أن الهجرة هي الطريق الوحيد للنجاح. عندما يجد المزارع سوقاً عادلة، والطالب تعليماً يفتح له الأبواب، والمرأة فرصة اقتصادية، والمسن رعاية تحفظ كرامته، والشخص ذو الإعاقة مدينة لا تستبعده.

نريد جامعات تنتج المعرفة، وشركات تنتج الوظائف، ومدناً تنتج جودة الحياة، ودولة تضع القواعد التي تجعل النجاح ممكناً.

المعركة هي بين لبنان قادر على صناعة مستقبله، ولبنان يستمر في خسارة أبنائه.

ولهذا يجب أن يكون السؤال الأهم في كل مشروع إعادة إعمار:

هل نبني لبناناً يستطيع شبابه أن يعيشوا فيه، أم نبني مباني سيعيش فيها آخرون بعد أن يرحل شبابه؟

لبنان لا يحتاج إلى إعادة بناء الماضي كما كان.

إنه يحتاج إلى بناء مستقبل يجعل شاباً يقف في الجنوب، أو بيروت، أو أي قرية ومدينة لبنانية، وينظر إلى السنوات القادمة بثقة ويقول:

«لن أضطر إلى الرحيل كي أصبح الشخص الذي أريد أن أكونه. أستطيع أن أبني مستقبلي هنا.»

وعندما تصبح هذه الجملة حقيقة لا حلماً، عندها فقط لن تكون إعادة الإعمار مجرد إعادة بناء لما تهدّم.

ستكون بداية لبنان جديد؛ لبنان لا يخسر شبابه، بل يبني بهم وطناً يستحق أن يبقوا من أجله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى