الجوهري: ‏مفهوم الدولة وضرورتها

‏ب✍️محمد الجوهري

‏كاتب وناشط سياسي.

‏في ذكرى الإمام السيد موسى الصدر، نستعيد مشروعًا فكريًا ووطنيًا لم ينظر إلى الدولة باعتبارها مجرد جهاز إداري أو سلطة فوق المجتمع، بل باعتبارها الإطار الجامع الذي يحفظ كرامة الإنسان، ويصون التعدد، ويمنع تحوّل الإختلاف إلى فتنة.

‏ فقد كان الإمام الصدر من أكثر الداعين إلى قيام دولة عادلة وقادرة، دولة لا تسأل المواطن عن طائفته قبل أن تسأل عن حقه، ولا تقيس انتماءه بموقعه السياسي، بل بقدر مشاركته في حماية الوطن وبنائه.

‏يظن كثيرون أن الدولة نظام مصلحي محض، يمكن للإنسان أن يستبدله أو يتجاوزه إذا وجد بديلاً أكثر عدلاً أو أقل إلزامًا.

‏لكن التأمل الفلسفي في طبيعة الإجتماع البشري يكشف أن الدولة ليست مجرد ترتيب سياسي عابر، بل هي شرط أساسي لبقاء المجتمعات نفسها. فالإنسان، بوصفه كائنًا اجتماعيًا، لا يستطيع أن يعيش خارج جماعة، والجماعة لا تستقيم من دون سلطة تضبط علاقاتها وتحمي حقوق أفرادها من غلبة القوي على الضعيف.

‏الدولة، بهذا المعنى، هي الحل المدني لمشكلة النزاع. فالناس يختلفون في المصالح والرغبات والتصورات، وإذا تُرك هذا الاختلاف من دون ضابط، تحوّل إلى صراع مفتوح. لذلك تحتاج الجماعة إلى مرجعية عامة تحتكم إليها، لا إلى منطق القوة العارية ولا إلى ميزان العصبيات. والدولة، بما تملكه من قانون ومؤسسات وقوة تنفيذية مشروعة، هي الجهة التي يفترض أن تحسم النزاعات بمعيار عام: معيار الحق والعدل والقانون.

‏ومن هنا، فإن غياب الدولة لا يعني غياب النزاع، بل يعني تحوّل النزاع إلى فوضى؛ حيث يصبح الحق تابعًا للغلبة، وتصبح القوة هي اللغة الوحيدة المتاحة. وهذا ما يجعل الدولة ضرورة أخلاقية بقدر ما هي ضرورة سياسية، لأنها تنقل المجتمع من منطق الثأر إلى منطق القضاء، ومن حماية الجماعة الخاصة إلى حماية المواطن، ومن الولاء للقوة إلى الولاء للقانون.

‏أما وظيفتها الثانية فهي حفظ الأمن. والأمن ليس غياب الحرب فقط، بل هو شعور الإنسان بأن حياته وكرامته وملكيته وحريته مصونة بضمانة مؤسسية، لا بقوة عائلته أو طائفته أو جماعته.

‏وحين تتراجع الدولة، لا تتسع الحرية كما قد يتوهم البعض، بل يتسع الخوف؛ إذ تتعدد السلطات، وتتنازع القوى، ويصبح المواطن رهينة لموازين لا يملك التأثير فيها.

‏وتتمثل وظيفتها الثالثة في تحقيق حد أدنى من العدالة الإجتماعية. فالمجتمع لا يستقر إذا بقيت الثروة والفرص والسلطة حكرًا على الأقوى، أو إذا تُرك الضعيف بلا حماية.

‏ومن هنا، لا تكون الدولة دولة بحق إلا إذا كانت قادرة على حماية المحرومين، ورفع التهميش عن المناطق والفئات، وتحويل الحقوق من وعود إلى مؤسسات.

‏وهذه الفكرة تلتقي بعمق مع جوهر مشروع الإمام الصدر، الذي جعل الدفاع عن المحرومين دفاعًا عن لبنان كله، لا عن فئةٍ منه فحسب.

‏وهنا يتضح المعنى العميق لقول الإمام علي: «لا بد للناس من أمير بر أو فاجر». فالمقولة لا تبرر الظلم ولا تدعو إلى تقديس الحاكم، بل تقرر حقيقة اجتماعية قاسية: أن الفراغ السياسي لا يصنع عدالة، وأن غياب السلطة العامة يفتح الباب أمام سلطات متنازعة لا تخضع لقانون ولا لمساءلة.

‏فالناس يحتاجون إلى إمرة تحفظ السبل، وتحمي المجتمع، وتمنع انهيار الحياة العامة، حتى يبقى المجال مفتوحًا للإصلاح والمطالبة بالعدل.

‏لكن الإيمان بضرورة الدولة لا يعني التسليم بكل ما تفعله الحكومات.

‏وهنا ينبغي التمييز دائمًا بين الدولة بوصفها فكرة جامعة ومؤسسات عامة، وبين سلطة قد تخطئ أو تقصّر أو تسيء استخدام موقعها.

‏نقد الحاكم لا يعني رفض الدولة، والمطالبة بالإصلاح لا تعني الدعوة إلى الفوضى.

‏بل إن النقد المسؤول هو أحد شروط بناء الدولة العادلة، لأنه يحوّل السلطة من امتياز مغلق إلى أمانة خاضعة للمحاسبة.

‏وفي هذا السياق، لا يصح أن يتحول اتهام فئة من اللبنانيين بأنها “لا تريد دولة” إلى حكم جاهز أو وصم جماعي. فقد يختلف الناس حول السيادة والسلاح والعلاقات الخارجية وأدوار المؤسسات، لكن الخلاف السياسي لا يبرر إنكار وطنيتهم أو اختزالهم في تهمة واحدة. إن المنطق والإنصاف يفرضان التمييز بين نقد شكل الدولة كما تُدار، وبين رفض مبدأ الدولة؛ وبين سلوك قوى محددة، وبين تعميم الإتهام على طائفة أو جمهور واسع.

‏في ذكرى الإمام موسى الصدر، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: كيف نبني دولة يشعر فيها جميع اللبنانيين بأنهم شركاء لا رعايا، مواطنون لا طوائف متقابلة، أصحاب حقوق لا جماعات تبحث عن حماية خارج القانون؟

‏ إن الوفاء الحقيقي لفكره لا يكون باستحضار صورته فقط، بل باستعادة دعوته إلى وطنٍ لا يُهمَّش فيه أحد، ودولةٍ عادلةٍ وقادرةٍ تحمي الجميع، وتحوّل تنوع لبنان من مصدر خوف إلى مصدر قوة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى