
عندما يتحدث قادة العالم عن السلام، غالبًا ما يتحدثون عن الحروب والحدود والأسلحة والمعاهدات. وكل هذه الأمور مهمة. لكن السلام لا يبدأ في قاعات المؤتمرات، بل يبدأ في حياة الأشخاص الأكثر عرضة للفقر والإقصاء والعنف والكوارث البيئية.
إنه طفل يخلد إلى النوم جائعًا. ويتيم يكبر من دون أمان أو حماية. ومسنّ يضطر إلى الاختيار بين شراء الطعام أو الدواء. وشخص من ذوي الإعاقة لا يستطيع دخول مدرسة أو الحصول على عمل. وعائلة تتنفس هواءً ملوثًا أو تفقد منزلها بسبب فيضان.
إذا لم نحْمِ هؤلاء، فإن السلام يبقى ناقصًا.
ويقدم تقرير أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة لعام 2026 تحذيرًا لا ينبغي للعالم أن يتجاهله: لا يزال شخص من كل عشرة أشخاص يعيش في فقر مدقع، فيما يفتقر 3.8 مليار إنسان إلى الحماية الاجتماعية، وقد تضاعف عدد الأشخاص المتضررين من الكوارث المرتبطة بالمناخ أكثر من مرتين منذ عام 2015. كما بلغ العنف المرتبط بالنزاعات مستويات هي الأعلى منذ عقود.
هذه ليست أزمات منفصلة، بل أزمات تغذي بعضها بعضًا.
فالفقر يجعل الأسر أقل قدرة على مواجهة الكوارث. والنزاعات تدمر المنازل والمدارس وسبل العيش. والتدهور البيئي يهدد الصحة والأمن الغذائي. أما الصدمات المناخية، فقد تمحو في ساعات قليلة سنوات من التقدم الاقتصادي.
لذلك، يحتاج العالم إلى إعادة التفكير في معنى السلام.
فالسلام لا ينبغي أن يعني فقط غياب الحرب، بل يجب أن يعني بناء مجتمعات يتمتع فيها الإنسان بالأمان والفرص التي تمكّنه من بناء حياته ومستقبله.
ويبدأ ذلك من الأطفال.
فالتعليم هو أحد أقوى أسس السلام. فالطفل الذي يحصل على مدرسة آمنة، ورعاية صحية، وغذاء مناسب، وفرصة حقيقية لبناء مستقبله، يكون أقل عرضة للوقوع في دوائر الفقر والإقصاء التي تتوارثها الأجيال.
وعلى الحكومات أن تنظر إلى المدارس لا باعتبارها مجرد مبانٍ، بل باعتبارها مؤسسات للاستقرار والفرص وبناء المستقبل.
أما الأيتام والأطفال الأكثر هشاشة، فيستحقون حماية خاصة. إن فقدان الوالدين يجب ألا يعني فقدان الحق في المستقبل. ولذلك ينبغي للحكومات والمجتمعات تعزيز دعم الأسر، والرعاية البديلة، والتعليم، وأنظمة حماية الطفل، حتى لا يُنسى الأطفال الأكثر ضعفًا بمجرد أن تختفي أزماتهم من عناوين الأخبار.
وكذلك يستحق كبار السن حياة يسودها الكرامة. فالرعاية الصحية المتاحة، والحماية الاجتماعية الكافية، والسكن الآمن، والدعم المجتمعي، يمكن أن تمنع الفقر والعزلة من التحول إلى شكل آخر من أشكال التخلي عن الإنسان.
ويجب إدماج الأشخاص ذوي الإعاقة منذ البداية في خطط التنمية. فالمدارس وأماكن العمل ووسائل النقل والمستشفيات وأنظمة الطوارئ ينبغي أن تُصمَّم بطريقة تتيح للأشخاص ذوي الإعاقة المشاركة الكاملة في المجتمع.
وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن أكثر من مليار شخص حول العالم يعيشون مع إعاقة، وأن الأشخاص ذوي الإعاقة يواجهون مخاطر أكبر من الفقر والإقصاء والهشاشة خلال الأزمات.
الإدماج ليس عملًا خيريًا، بل استثمار في الإمكانات البشرية.
وينطبق المبدأ نفسه على البيئة.
فالتلوث ليس مجرد مشكلة بيئية، بل هو أيضًا قضية تتعلق بأمن الإنسان. فالمياه الملوثة تهدد المجتمعات، وتلوث الهواء يضر بالصحة، وسوء إدارة النفايات يدمر الأنظمة البيئية. كما أن موجات الحر الشديد والجفاف والفيضانات وحرائق الغابات تؤثر بصورة أكبر في الأشخاص الذين يملكون أقل الموارد اللازمة للتعافي.
وتشير الأمم المتحدة إلى أن عدد الأشخاص المتضررين من الكوارث قد تضاعف أكثر من مرة، حتى في ظل التحسن الذي شهدته جهود الاستعداد للكوارث والذي ساهم في خفض الوفيات الناجمة عنها.
والدرس واضح: الاستعداد ينقذ الأرواح، لكن القدرة على الصمود يجب أن تصل أولًا إلى من هم في أمسّ الحاجة إليها.
لذلك، ينبغي للحكومات الاستثمار في الهواء والمياه النظيفين، والطاقة المتجددة، والمساكن القادرة على الصمود، ووسائل النقل المستدامة، وأنظمة الإنذار المبكر، والاستعداد للكوارث.
فهذه ليست مجرد سياسات بيئية، بل هي استثمارات في الصحة العامة والاستقرار الاقتصادي والسلام.
وينبغي أن يسير الاقتصاد في الاتجاه نفسه.
فالنمو الذي يترك الناس خلفه هو نمو هش. وعلى الدول أن تعمل على توفير فرص العمل اللائقة، ودعم المؤسسات والمشاريع الصغيرة، وتوسيع الوصول إلى التعليم والتكنولوجيا، وتعزيز أنظمة الحماية الاجتماعية.
فالشاب الذي يمتلك عملًا ذا معنى تكون لديه مصلحة حقيقية في المستقبل. والأسرة التي تتمتع بدخل مستقر تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات. والمسن الذي يتمتع بحماية اجتماعية يستطيع أن يعيش بكرامة ومن دون خوف. والشخص من ذوي الإعاقة الذي يستطيع العمل والمشاركة الكاملة في المجتمع يصبح شريكًا في التنمية، بدلًا من أن يبقى ضحية للإقصاء.
كما ينبغي أن تُقاس المساعدات الدولية بقدرتها على بناء القدرة على الصمود، وليس فقط بقدرتها على الاستجابة بعد وقوع الكارثة.
فالتمويل المناخي وبرامج التنمية وبناء السلام يجب أن تعمل معًا. ويؤكد البنك الدولي أن العمل المناخي المحلي والاستثمارات الشاملة يمكن أن يعززا سبل العيش والقدرة على الصمود والفرص الاقتصادية.
لا يستطيع العالم منع كل نزاع أو كل كارثة. لكنه يستطيع أن يقرر ما إذا كان الأشخاص الأكثر ضعفًا سيواجهونها بمفردهم أم لا.
وهنا يتغير معنى السلام.
السلام هو طفل يستطيع أن يحلم بمستقبل يتجاوز الفقر.
السلام هو مسن يستطيع شراء دوائه من دون أن يختار بينه وبين طعامه.
السلام هو يتيم يعرف أن هناك من سيحمي مستقبله.
السلام هو شخص من ذوي الإعاقة يستطيع دخول الصف، وكسب رزقه، والمشاركة الكاملة في المجتمع.
السلام هو عائلة تستطيع شرب مياه نظيفة والتنفس في هواء نقي.
والسلام هو مجتمع مستعد للعاصفة القادمة، بدل أن يُترك لمواجهة آثارها وحده بعد وقوعها.
إن أعظم اختبار لحضارتنا لا ينبغي أن يكون مدى قوة أسلحتنا، بل مدى قدرتنا على حماية كرامة الإنسان.
وإذا كنا نريد سلامًا عالميًا حقيقيًا، فعلينا أن نتوقف عن التعامل مع الفقر والإلغاء والتدمير البيئي باعتبارها قضايا ثانوية. إنها جميعًا جزء من التحدي نفسه.
فالسلام يُبنى عندما يمتلك الإنسان شيئًا يحميه، وشيئًا يساهم به، وشيئًا يأمل من أجله.
إن السلام الذي نبنيه من أجل الفئات الأكثر ضعفًا هو، في نهاية المطاف، السلام الذي نبنيه من أجل العالم.
راشد شاتيلا



