راشد شاتيلا: عندما يكون الوطن فوق الخلاف… لبنان يحتاج إلى موقف واحد

يمرّ لبنان بمرحلة دقيقة تتطلب من جميع أبنائه أن يتوقفوا للحظة أمام حجم المسؤولية التي تقع على عاتقهم. فالوطن الذي أنهكته الأزمات والانقسامات لا يحتاج اليوم إلى خلاف جديد يضاف إلى أزماته، بل يحتاج إلى مساحة أوسع من التفاهم، وإلى موقف وطني يستطيع أن يجمع اللبنانيين حول مصلحة واحدة: حماية لبنان والحفاظ على وحدته واستقراره وسيادته.

وفي هذا السياق، يبرز النقاش حول «اتفاق الإطار» كأحد الملفات التي تستوجب قراءة هادئة ومسؤولة، بعيداً عن الانفعال وعن تحويل الاختلاف السياسي إلى انقسام بين اللبنانيين.

إن إعادة النظر في أي إطار أو مسار يتعلق بمستقبل لبنان ليست ضعفاً، كما أن مراجعة الخيارات ليست تراجعاً. على العكس، إن الدولة التي تراجع خطواتها عندما ترى ضرورة لذلك هي دولة تمارس مسؤوليتها، والدولة التي تدخل في أي تفاوض يجب أن تعرف بوضوح ما الذي تريد تحقيقه وما هي الثوابت التي لا يمكن التفريط بها.

لكن الأهم من تفاصيل أي إطار هو الموقف اللبناني الذي يقف خلفه.

فلبنان لا يستطيع أن يفاوض بقوة إذا كان اللبنانيون منقسمين حول القضايا المصيرية. ولا يستطيع أن يحمي مصالحه إذا تحولت الملفات الوطنية إلى أدوات للتجاذب الداخلي. وكلما اقتربنا من القضايا التي تمسّ السيادة والأمن ومستقبل البلاد، تصبح الحاجة إلى التفاهم أكبر، لا إلى الانقسام.

لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس أن ينتصر فريق لبناني على فريق آخر، بل أن ينتصر لبنان.

يمكن أن نختلف حول طريقة التفاوض، وحول الأولويات، وحول الوسائل التي نراها أكثر قدرة على حماية مصالح وطننا. وهذا حق طبيعي في بلد يقوم على التعدد السياسي والفكري. لكن الاختلاف يجب أن يبقى اختلافاً في الرأي، لا أن يتحول إلى خصومة بين اللبنانيين، ولا إلى لغة تخوين أو تحريض أو انقسام طائفي.

فلبنان أكبر من أي موقف سياسي، وأبقى من أي خلاف عابر.

إن الوحدة الوطنية ليست مجرد صورة جميلة نرفعها في الخطابات، بل هي حاجة أساسية لحماية الوطن. وفي بلد مثل لبنان، حيث تتداخل السياسة بالمجتمع والتاريخ والجغرافيا، فإن أي شرخ داخلي يمكن أن تكون كلفته أكبر بكثير من الخلاف الذي سبّبه.

ولهذا، فإن الحفاظ على السلم الأهلي يجب أن يكون أولوية لا تقبل المساومة.

السلم الأهلي لا يعني أن يتوقف اللبنانيون عن الاختلاف، بل يعني أن نتعلم كيف نختلف من دون أن نؤذي بعضنا بعضاً. يعني أن نناقش القضايا الأكثر حساسية من دون أن نحولها إلى أسباب للكراهية. يعني أن نختلف في السياسة، ولكن نبقى متفقين على أن هذا الوطن يجمعنا جميعاً.

لقد عانى اللبنانيون بما يكفي من الانقسامات التي جعلت كل مرحلة سياسية تتحول إلى اختبار جديد لوحدة البلد. واليوم، لا يجوز أن نسمح للخلاف حول أي ملف، مهما كان حجمه، بأن يعيد إنتاج هذه التجارب.

المطلوب هو موقف وطني جامع يقوم على الحوار، وعلى احترام المؤسسات، وعلى وضع مصلحة لبنان فوق المصالح الحزبية والشخصية والفئوية.

وإذا كان «اتفاق الإطار» يحتاج إلى مراجعة، فلتكن هذه المراجعة لبنانية في روحها، هادئة في أسلوبها، واضحة في أهدافها، ومسؤولة في نتائجها. وإذا كان يحتاج إلى تطوير أو توضيح أو ضمانات إضافية، فليكن النقاش حول ذلك بعيداً عن التشنج.

فالمصلحة الوطنية لا تُقاس بمن يرفع صوته أكثر، بل بمن يستطيع أن يحمي لبنان أكثر.

نحن بحاجة إلى خطاب جديد يقول إن السيادة قضية جامعة، وإن الأمن مسؤولية وطنية، وإن الجنوب جزء أصيل من لبنان، وإن كرامة اللبنانيين لا تتجزأ، وإن مستقبل البلاد لا ينبغي أن يكون رهينة الانقسام.

كما أننا بحاجة إلى أن ندرك أن قوة لبنان لا تأتي فقط من قدرته على مواجهة الأزمات، بل أيضاً من قدرته على منع أزماته الداخلية من التحول إلى صراعات جديدة.

الوحدة الوطنية هي القوة التي لا يمكن لأي أزمة أن تسلبها من لبنان إلا إذا سمح اللبنانيون بذلك.

ومن هنا، فإن مسؤولية القوى السياسية ليست فقط في الدفاع عن مواقفها، بل أيضاً في حماية المساحة المشتركة التي تجمع اللبنانيين. ومسؤولية الإعلام ليست فقط في نقل الخلاف، بل في منع الخطاب الذي يهدد السلم الأهلي. ومسؤولية المواطنين هي ألا يسمحوا بتحويل الاختلاف السياسي إلى عداوة اجتماعية.

لبنان يحتاج اليوم إلى لغة تجمع ولا تفرّق، وإلى مواقف تفتح الأبواب ولا تغلقها.

نحتاج إلى أن نضع أمام أعيننا سؤالاً بسيطاً لكنه عميق:

ماذا يخدم لبنان فعلاً؟

ليس ماذا يخدم هذا الفريق أو ذاك، ولا من سيربح سياسياً، ولا من سيخسر شعبياً، بل ماذا يحمي الدولة، وماذا يحفظ حقوق لبنان، وماذا يمنع الحرب والانقسام، وماذا يفتح الطريق أمام مستقبل أكثر أمناً واستقراراً.

إن إعادة النظر في «اتفاق الإطار» يجب أن تكون، إن حصلت، جزءاً من رؤية أوسع: كيف ننتقل من إدارة الأزمات إلى بناء دولة قادرة على حماية مصالحها؟ وكيف نجعل القرار الوطني أكثر تماسكاً؟ وكيف نعيد الثقة بين اللبنانيين؟ وكيف نضمن أن يبقى الحوار أقوى ، والمؤسسات أقوى من الانقسام؟

هذه الأسئلة أهم من أي سجال سياسي .

فلبنان لا يحتاج اليوم إلى مزيد من المعارك الكلامية، بل إلى شجاعة سياسية تقول الحقيقة، وحكمة تمنع التصعيد، وإرادة تضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.

وقد يكون الاختبار الحقيقي أمامنا ليس في الاتفاق وحده، بل في قدرتنا كلبنانيين على التعامل معه بطريقة تمنع الخلاف من التحول إلى شرخ وطني.

نحن لسنا مضطرين إلى أن نتفق على كل شيء كي نبقى وطناً واحداً. لكننا مضطرون إلى أن نتفق على شيء واحد: ألا نسمح للخلاف بأن يهدم لبنان.

في هذه المرحلة الدقيقة، يجب أن تكون الأولوية واضحة:

لبنان أولاً.

وحدته أولاً.

سلمه الأهلي أولاً.

سيادته ومصالحه الوطنية أولاً.

فإذا نجحنا في الحفاظ على وحدتنا، نستطيع أن نراجع ونفاوض ونختلف ونصلح ونبني. أما إذا خسرنا وحدتنا، فلن يكون هناك أي انتصار يستحق الاحتفال.

إن لبنان الذي نريده لأبنائنا ليس لبنان الانقسام والخوف، بل لبنان الذي يستطيع أبناؤه أن يختلفوا من دون أن يتحاربوا، وأن يتحاوروا ، وأن يختلفوا في الخيارات لكن يتفقوا على الوطن.

قد تختلف الآراء حول «اتفاق الإطار»، لكن لا يجوز أن يختلف اللبنانيون حول ضرورة حماية لبنان.

وهنا تبدأ المسؤولية الحقيقية.

ففي زمن الانقسام، قد يكون أعظم موقف سياسي هو أن نقول ببساطة:

نختلف كما نشاء… لكن لبنان يبقى واحداً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى