
مع اقتراب فصل الشتاء، لا ينبغي أن يكون استعدادنا للأمطار محصورًا بمتابعة النشرات الجوية أو انتظار العاصفة. فالاستعداد الحقيقي يبدأ قبل هطول المطر، من الشوارع والأحياء ومجاري المياه، ومن مسؤولية كل مواطن ومؤسسة وبلدية في الحد من الأسباب التي قد تزيد من مخاطر السيول والفيضانات والحوادث.
في لبنان، تصبح النفايات المتراكمة في الأماكن غير المخصصة لها مشكلة تتجاوز المشهد غير الحضاري. فعندما تتجمع الأكياس والبلاستيك والمخلفات بالقرب من الأقنية ومجاري المياه، يمكن للأمطار أن تجرفها وتؤدي إلى انسداد منافذ التصريف، ما قد يزيد من تجمع المياه على الطرقات ويعرّض المواطنين والمركبات للخطر.
لذلك، فإن إدارة النفايات ليست مسألة بيئية فقط، بل جزء من منظومة الوقاية والسلامة العامة.
الكارثة تبدأ أحيانًا من إهمال صغير
قد تبدو قطعة بلاستيكية مرمية على الطريق أمرًا بسيطًا، وقد يبدو كيس نفايات متروكًا قرب قناة للمياه أمرًا عابرًا. لكن تراكم هذه التصرفات الصغيرة يمكن أن يتحول إلى مشكلة كبيرة عندما تهطل الأمطار بغزارة.
ولهذا، فإن الوقاية تبدأ من التفاصيل: عدم رمي النفايات في الشوارع والأودية، المحافظة على فتح مجاري المياه، إزالة المخلفات من محيط الأقنية والعبارات، ومعالجة النقاط التي تتكرر فيها تجمعات المياه قبل بدء العواصف.
الكوارث الطبيعية لا يمكن منعها دائمًا، لكن يمكن تقليل آثارها عندما نستعد لها بالشكل الصحيح.
المطلوب تحرك قبل الشتاء لا بعده
الوقاية تحتاج إلى عمل استباقي. فالبلديات والجهات المختصة مدعوة إلى إجراء مسح ميداني للمناطق الأكثر عرضة لتجمع المياه، وتنظيف الأقنية ومجاري التصريف، وإزالة النفايات والعوائق، والتأكد من جاهزية الطرقات والنقاط الحساسة قبل اشتداد موسم الأمطار.
كما أن التعاون بين البلديات وفرق الطوارئ والمواطنين يمكن أن يساعد في اكتشاف المشكلات بسرعة ومعالجتها قبل أن تتحول إلى خطر.
فالمعيار الحقيقي للاستعداد ليس سرعة التعامل مع الحادث بعد وقوعه فقط، بل القدرة على منع الحادث عندما يكون من الممكن منعه.
المواطن شريك في الوقاية
لا يمكن أن تنجح أي خطة بيئية إذا بقي المواطن خارجها.
كل فرد يستطيع أن يساهم في حماية محيطه من خلال التخلص السليم من النفايات، وعدم رميها في مجاري المياه أو على جوانب الطرقات، والالتزام بأنظمة الجمع والفرز حيث تتوافر، والإبلاغ عن أي انسداد أو تجمع للنفايات يمكن أن يشكل خطرًا.
فالوعي الحقيقي يظهر عندما يدرك المواطن أن ما يفعله أمام منزله قد يؤثر في الطريق الذي يسلكه الجميع.
مسؤوليتنا لا تبدأ عندما تقع الكارثة؛ مسؤوليتنا تبدأ عندما نستطيع منعها.
الشباب قوة للوقاية
أما الشباب اللبناني، فيمكن أن يكونوا عنصرًا أساسيًا في بناء ثقافة الوقاية.
فالجامعات والمدارس والجمعيات الشبابية قادرة على تنظيم حملات توعية وتنظيف، ورصد النقاط التي تحتاج إلى تدخل، وتشجيع الفرز وإعادة التدوير، واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي لنشر التنبيهات والمعلومات البيئية بطريقة مسؤولة.
الشباب لا يحتاجون دائمًا إلى إمكانات ضخمة للبدء. أحيانًا تبدأ المبادرة بمجموعة صغيرة تنظف محيطها، أو طالب يبلغ عن مشكلة، أو حملة توعية تصل إلى آلاف الأشخاص.
ومن هنا، يجب أن ننتقل من ثقافة “من المسؤول؟” إلى ثقافة “ماذا يمكننا أن نفعل؟”
البيئة جزء من الأمن المجتمعي
حماية البيئة ليست قضية منفصلة عن سلامة الناس. عندما نحافظ على نظافة مجاري المياه، ونمنع تراكم النفايات، ونحمي المساحات الطبيعية، ونخطط بشكل أفضل لمواجهة الأمطار، فإننا لا نحمي الطبيعة فقط، بل نساهم أيضًا في حماية الأرواح والممتلكات والطرقات.
والوقاية لا تعني الخوف من الشتاء، بل الاستعداد له بعقلانية.
لبنان يحتاج إلى إدارة بيئية أكثر استدامة، وإلى تعاون فعلي بين الدولة والبلديات والمجتمع المدني والقطاع الخاص والمواطنين. ويحتاج قبل كل شيء إلى ثقافة تعتبر النظافة والالتزام والوعي مسؤولية وطنية وليست مجرد سلوك فردي.
قبل أن يهطل المطر
مع اقتراب الشتاء، الرسالة التي يجب أن تصل إلى الجميع واضحة:
لا تنتظروا السيول لتنظيف مجاري المياه، ولا تنتظروا الحوادث لاكتشاف نقاط الخطر، ولا تنتظروا تراكم النفايات حتى نبحث عن حلول.
الوقاية تبدأ اليوم.
فلنحافظ على شوارعنا، ولنحمِ أقنيتنا ومجاري مياهنا، ولنضع النفايات في أماكنها، ولنشجع أبناءنا وشبابنا على المبادرة، ولنجعل الوعي البيئي جزءًا من حياتنا اليومية.
لأن حماية البيئة ليست فقط حماية للطبيعة، بل هي أيضًا حماية للإنسان من أخطار يمكن تقليلها، وحماية للمدن والقرى من أضرار يمكن الوقاية من جزء كبير منها.
وفي كل شتاء، يجب ألا يكون سؤالنا: ماذا فعلنا بعد الكارثة؟
بل: ماذا فعلنا قبل أن تحدث؟



