
عقد العلّامة السيد علي فضل الله لقاءً حواريًا في المركز الإسلامي الثقافي في حارة حريك، تحت عنوان: «الإسلام وتصديه للمنطق الأعمى»، تناول خلاله مفهوم الاتّباع الأعمى وخطورته على الإنسان والمجتمع، كما أجاب عن عدد من الأسئلة المتصلة بآخر المستجدات في لبنان والمنطقة.
استهلّ سماحته اللقاء بالحديث عن المنطق الذي عانى منه الأنبياء والرسل على مرّ التاريخ، مشيرًا إلى أنهم عندما كانوا يدعون الناس إلى الحقيقة التي جاؤوا بها، كان الردّ عليهم: «يكفينا ما جاء به آباؤنا»، ولن نغيّر أو نبدّل ما كانوا عليه.
وأشار إلى أن هذا المنطق لا يقف عند حدود ما واجهه الأنبياء من اتّباع للآباء والأجداد، بل يمتدّ إلى كلّ من يسيرون خلف الشخصيات والجهات التي ينتمون إليها أو يرتبطون بها، سواء أكان هؤلاء في المواقع الدينية أو السياسية أو الاجتماعية أو الرياضية، أو ممن يتبعون الأعراف والتقاليد السائدة في المجتمع، أو ما يجري عليه الناس من دون وعي وتدبّر لما يسيرون عليه.
وأضاف: "لقد واجه الأنبياء هذا الاتّباع الأعمى وتصدّوا له، نظرًا إلى خطورته، عندما دعوا الناس إلى أن يفكّروا في كلّ ما يُطرح عليهم، وألا يكونوا صدى للآخرين، أو يخضعوا لعاطفة أو عصبية أو انفعال".
وتابع: "لا بدّ للإنسان من أن لا تنبع مواقفه من خلال ما عليه الناس، وأن لا يكون صدى لهم، يسير حيث ساروا، ويقف حيث وقفوا، ويتحرّك حيث تحرّكوا. ففي الحياة طريقان: طريق خير وطريق شر، طريق حق وطريق باطل. فلا بدّ من أن يكون المؤمن مع الحق، حتى لو كان الناس كلّهم في مواجهته، وأن يكون ضدّ الباطل، حتى لو أيّد الباطل كلّ الناس".
وأوضح أن القرآن الكريم عزّز هذا المنطق عندما بيّن للإنسان أنه هو من يتحمّل المسؤولية وسيحاسب على خياراته في الحياة، ولن يُقبل منه عندما يقف بين يدي الله أن يقول: "أنا أخذت هذا القرار أو الموقف بناءً على رأي عائلتي، أو الجهة التي أنتمي إليها، أو لحساب هذا أو ذاك".
وقال: "من الطبيعي أن ينتمي الإنسان في هذه الحياة إلى عائلة أو عشيرة أو تنظيم أو جهة سياسية واجتماعية، فالإنسان لا يمكن أن يعيش وحيدًا، ولا بدّ له من أن يعيش ضمن جماعة ومجتمع، وأن يتواصل مع كل مكوّنات المجتمع الذي يعيش فيه. ولكن هذا لا يعني أن يجمّد الإنسان تفكيره وقناعاته، وأن يكون محكومًا في ما يفكّر فيه، أو يتعصّب لما هم عليه، بل لا بدّ من أن يبقى فكره معه، وألا يؤجّر فكره أو يعطيه للآخرين. نعم، هو يستفيد من الآخرين، لكنه لا يسلّم بما يُملى عليه إلا بعد وعي وقناعة منه، يعود فيها إلى الله عزّ وجلّ".
وختم بالقول: "مسؤوليتنا أن نضع كلّ ما يرد إلى سمعنا وبصرنا، وكلّ ما نقرأه، على طاولة النقد والبحث والتدقيق والدراسة، فنملك أذنًا واعية، ونستند إلى البصر والبصيرة، وأن يكون لنا لسان ينطق بالعلم والوعي والحقيقة، وعقل يتفاعل مع عقول الآخرين".
وفي تعليقه على ما حصل في المجلس النيابي، أسف سماحته لأن يصل الخطاب السياسي إلى هذا المستوى من التراشق، ولا سيما في ظلّ نقل وقائع الجلسات مباشرة على الهواء، مشيرًا إلى أن هذه السجالات تتضمن مخاطبات وكلمات قاسية وغير مألوفة ممن يفترض أن يمثّلوا الشعب، ويعبّروا عن همومه وهواجسه، ويتحرّكوا لإيجاد الحلول للأزمات التي يعاني منها.
وأضاف: "بدلًا من أن ينصرفوا إلى معالجة قضايا الناس والتخفيف من معاناتهم، نراهم ينشغلون بالسجالات والاستعراضات، في وقت يحتاج فيه الوطن إلى خطاب مسؤول وهادئ يرتقي إلى مستوى التحديات".
وحول ما يطرحه البعض من إسقاط الحكومة، أجاب سماحته: «"على الإنسان، قبل الإقدام على أي خطوة، ولا سيما في هذه المرحلة الخطيرة، أن يدرس سلبياتها وإيجابياتها، وأن يسأل عن تداعياتها على البلد. ولعلّ الأفضل في هذه المرحلة أن نعمل على توجيه الحكومة والضغط عليها من أجل تصحيح مسار عملها، وأن تتحمّل مسؤولياتها في معالجة الملفات والقضايا التي تواجه الناس".
ودعا سماحته الدولة إلى معالجة الأزمة الاجتماعية والاقتصادية من خلال حلول واقعية ومسؤولة، محذّرًا من أن استمرار إهمال هذه الأزمات قد يؤدي إلى انفجار الشارع، "وهو ما قد يستفيد منه كلّ من لا يريد خيرًا بهذا الوطن".
وتوجّه سماحته بالتقدير إلى الطلاب في مناطق الجنوب الذين أكّدوا، بثباتهم وإرادتهم الصلبة، تمسّكهم بحقهم في التعلّم، ووجّهوا رسالة مع بداية العام الدراسي مفادها أن التهديدات والحواجز لن تمنعهم من مواصلة مسيرتهم التعليمية، وأن إرادة الحياة والتعلّم أقوى من كلّ التحديات.
وعن المؤتمر الذي عُقد في باريس لدعم الجيش اللبناني، رأى سماحته أهمية لأيّ خطوة تؤدّي إلى تعزيز قدرات الجيش وتأمين احتياجاته وتسليحه، بما يجعله قادرًا على القيام بالدور المطلوب منه في حماية الأهالي من اعتداءات العدو، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، ومنع أيّ طامع من المسّ بسيادتها على أرضها.
وأضاف: "وإن كنّا لا نغفل العقبات التي لا تزال تحول دون تحقيق السيادة، بعدما سعى العدو إلى تعطيل ذلك عبر المسّ بدور الجيش وقدراته والتشكيك به، أو من خلال من يضع الشروط على حركته وعلى أصحاب القرار السياسي لتأمين هذا الدعم".



