الشباب العربي… من انتظار المستقبل إلى صناعة مفاتيحه

بقلم: راشد شاتيلا

من البحث عن الفرص إلى بناء اقتصادٍ يقوم على الابتكار والمعرفة

حين يصبح المستقبل امتحانًا للحاضر

لم يعد العالم ينتظر الأجيال الجديدة كي تكبر وتجد مكانها في الحياة؛ فالتكنولوجيا تعيد تشكيل الاقتصاد، والذكاء الاصطناعي يغيّر طبيعة المهن، والمعرفة تنتقل بسرعة تتجاوز قدرة المؤسسات التقليدية على مواكبتها. وفي هذا العالم المتحوّل، لم تعد قوة الدول تُقاس فقط بما تملكه من موارد طبيعية أو مصانع أو رؤوس أموال، بل أيضًا بما تستطيع عقولها أن تبتكره، وبما تتيحه لشبابها من قدرة على تحويل الأفكار إلى قيمة اقتصادية واجتماعية.

وفي قلب هذه التحولات يقف الشباب العربي أمام سؤال يتجاوز الحصول على وظيفة أو نيل شهادة جامعية: هل سيبقى جيلًا يبحث عن مكان في اقتصاد يصنعه الآخرون، أم يستطيع أن يصبح شريكًا في صناعة الاقتصاد الذي سيعيش فيه؟

إنها ليست مسألة تحفيز معنوي فحسب، بل قضية تنموية تتصل بالتعليم والإنتاجية والاستثمار والعدالة وتنافسية المجتمعات العربية. فالمستقبل لا يُمنح للأجيال، بل يُبنى معها، وتبدأ القدرة على صناعته من الطريقة التي تستثمر بها المجتمعات طاقات شبابها اليوم.

الشباب العربي: ثروة لا تكفي وحدها

يمتلك العالم العربي رصيدًا بشريًا شابًا يمكن أن يشكّل قوة اقتصادية كبيرة. غير أن وجود هذه الطاقة لا يعني تلقائيًا تحويلها إلى إنتاج وابتكار. فالثروة البشرية تحتاج إلى تعليم جيد، وفرص عادلة، ومؤسسات فعّالة، وأسواق قادرة على استيعاب المهارات الجديدة.

وتكشف بيانات منظمة العمل الدولية عن عمق التحدي؛ إذ بلغ معدل بطالة الشباب في الدول العربية نحو 26.2% ، وفق تقديراتها. وهذه النسبة لا تعبّر عن غياب الوظائف وحده، بل تفتح أيضًا نقاشًا حول طبيعة الوظائف المتاحة، ومدى ارتباط التعليم باحتياجات الاقتصاد، وقدرة المؤسسات على خلق فرص عمل منتجة.

لكن اختزال القضية في البطالة قد يحجب جانبًا آخر من المشكلة. فليس المطلوب أن يحصل الشباب على أي وظيفة فحسب، بل أن يمتلكوا القدرة على بناء مسار مهني منتج، وتطوير مهاراتهم، والمشاركة في إنشاء شركات ومشاريع تضيف قيمة إلى الاقتصاد.

وهنا يجب أن تتغير النظرة إلى الشباب: من فئة تنتظر أن توفر لها المؤسسات مستقبلها، إلى طاقة ينبغي أن تُمكَّن من المشاركة في صنع ذلك المستقبل.

من الشهادة إلى القدرة على الإنتاج

لا تفقد الشهادة الجامعية أهميتها في عالم المعرفة، لكنها لم تعد كافية وحدها لضمان النجاح المهني. فالفارق يتزايد بين امتلاك المعلومات والقدرة على استخدامها، وبين دراسة التكنولوجيا وإنتاج حلول بواسطتها، وبين معرفة النظريات وتحويلها إلى مشاريع قابلة للتطبيق.

ويشير هذا التحدي إلى ضرورة إعادة التفكير في العلاقة بين الجامعة وسوق العمل. فالتعليم الذي يكتفي بنقل المعرفة قد يمنح الطالب أساسًا مهمًا، لكنه يحتاج إلى أن يتكامل مع البحث والتجربة والتدريب والعمل الجماعي وحل المشكلات الواقعية.

ينبغي أن يجد الطالب فرصة لتصميم منتج، أو تطوير تطبيق، أو تحليل بيانات، أو ابتكار حل لمشكلة صناعية أو بيئية، أو المشاركة في مشروع يجمع بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي. كما يجب ألا يُنظر إلى التعليم المهني والتقني باعتباره مسارًا أقل قيمة، بل بوصفه جزءًا أساسيًا من اقتصاد يحتاج إلى مهارات متنوعة.

إن الجامعة التي تهيّئ الشباب للمستقبل لا تكتفي بتخريج أشخاص يعرفون الإجابات؛ بل تساعدهم على طرح الأسئلة الصحيحة، واختبار الأفكار، والتعلم من الأخطاء، وإنتاج معرفة يمكن استخدامها خارج قاعات الدراسة.

الذكاء الاصطناعي: من استهلاك التكنولوجيا إلى صناعتها

يمثل الذكاء الاصطناعي أحد أبرز الاختبارات التي تواجه الشباب العربي. فهذه التكنولوجيا لا تغيّر الأدوات التي يستخدمها العاملون فحسب، بل تؤثر في طريقة إنجاز الأعمال، وفي المهارات المطلوبة، وفي قدرة المؤسسات على المنافسة.

غير أن التعامل مع الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن ينحصر في الخوف من اختفاء بعض الوظائف أو في الاحتفاء بقدراته التقنية. فالسؤال الأهم هو كيف يمكن للشباب أن يستخدموه لرفع الإنتاجية، وتطوير الخدمات، وتحسين الصناعة والزراعة والصحة والتعليم.

يمكن لمهندس شاب أن يستخدم تحليل البيانات لتحسين استهلاك الطاقة في مصنع. ويمكن لمبرمج أن يطوّر خدمة رقمية تستهدف سوقًا خارج بلده. ويمكن لفريق جامعي أن يصمم أداة تساعد المزارعين على إدارة المياه بكفاءة أكبر. ويمكن لشركة ناشئة أن تقدم حلًا لمشكلة محلية ثم توسّع نطاق عملها إقليميًا.

لكن هذه الفرص لا تتحقق بمجرد توفير الأدوات. فهي تحتاج إلى أساس متين في الرياضيات والعلوم واللغات والتفكير النقدي، وإلى مهارات رقمية وأخلاقية تساعد على استخدام التكنولوجيا بمسؤولية. وتؤكد اليونسكو أهمية دمج الكفاءات الرقمية والذكاء الاصطناعي في التعليم، مع مراعاة الإنصاف والفهم الأخلاقي والتعلم المستمر.

إن الفارق بين مجتمع يستهلك التكنولوجيا ومجتمع ينتج بها لا يكمن في عدد الأجهزة التي يمتلكها، بل في قدرته على تحويل استخدامها إلى معرفة وحلول ومنتجات.

ريادة الأعمال: حين تصبح الفكرة مشروعًا

لا تستطيع الوظائف التقليدية وحدها استيعاب جميع الطاقات الشابة، ولا يمكن لأي دولة أن تضمن مستقبلها الاقتصادي بالاعتماد على التوظيف الحكومي أو انتظار الاستثمارات الكبرى فقط. ولهذا تكتسب ريادة الأعمال أهمية تتجاوز تأسيس الشركات الصغيرة؛ فهي وسيلة لتحويل المشكلات إلى فرص، والأفكار إلى منتجات، والمهارات الفردية إلى نشاط اقتصادي يخلق قيمة وفرص عمل.

لكن تشجيع الشباب على تأسيس المشاريع لا يعني مطالبتهم بتحمل المخاطر وحدهم. فالمبادرة تحتاج إلى تمويل يمكن الوصول إليه، وإجراءات إدارية واضحة، وإرشاد مهني، وحماية قانونية، وفرص حقيقية للوصول إلى الأسواق. كما تحتاج إلى ثقافة تسمح بالتعلم من التجربة، بدل أن تجعل الإخفاق الأول حكمًا نهائيًا على قدرة الإنسان.

ومن المهم أن تكون ريادة الأعمال متصلة بحاجات المجتمع، لا مجرد سباق وراء التطبيقات الرائجة. فالمشاريع التي تعالج مشكلات المياه والطاقة والنقل والصحة والتعليم والإنتاج الزراعي تستطيع أن تجمع بين العائد الاقتصادي والمنفعة العامة.

وحين تصبح الجامعة مساحة لاكتشاف الأفكار، والشركة مكانًا لتطويرها، والسوق مجالًا لاختبارها، يبدأ الابتكار في التحول من موهبة فردية إلى منظومة اقتصادية.

مسؤولية لا تقع على الشباب وحدهم

من السهل أن نطالب الشباب بالاجتهاد والابتكار والتكيف مع التغيير. لكن الخطاب الذي يحملهم وحدهم مسؤولية مستقبلهم يتجاهل أن المواهب تحتاج إلى بيئة تسمح لها بالنمو.

فلا يمكن مطالبة الخريج بأن يصبح مبتكرًا إذا كانت فرص التدريب محدودة، أو أن يؤسس شركة إذا كانت الإجراءات معقدة، أو أن ينافس عالميًا إذا لم تتوافر له بنية رقمية موثوقة، أو أن يبني مستقبلًا في وطنه إذا كان الوصول إلى الفرص يعتمد على العلاقات أكثر مما يعتمد على الكفاءة.

تقع على الحكومات مسؤولية تطوير التعليم والبنية التحتية الرقمية، وتحسين بيئة الأعمال، وتوسيع فرص التدريب والعمل، وتوفير المنافسة العادلة. وعلى الجامعات أن تعزز صلتها بالبحث والصناعة، وعلى القطاع الخاص أن يشارك في إعداد الكفاءات بدل انتظار خريجين يمتلكون جميع المهارات مسبقًا.

كما ينبغي أن تكون الفرص متاحة للشابات والشبان على قدم المساواة، وأن تشمل المناطق الأقل حظًا والفئات التي تواجه عوائق اقتصادية أو اجتماعية. فالاقتصاد الذي يستبعد جزءًا من طاقات مجتمعه يترك جانبًا من قدرته على النمو.

إن تمكين الشباب ليس منحة تُقدّم لهم، بل استثمار في قدرة المجتمع على إنتاج الثروة وتجديد مؤسساته ومواجهة التحولات.

العالم لا ينتظر… والمستقبل لا يُستعار

تتجه المنافسة العالمية بصورة متزايدة نحو المعرفة والابتكار والمهارات المتخصصة. وفي هذا السياق، لا يكفي أن يمتلك الشباب العربي الطموح أو أن يتابعوا التحولات من بعيد؛ بل يحتاجون إلى المشاركة فيها من خلال البحث والتطوير والإنتاج والعمل المشترك.

ولا يعني ذلك أن على كل شاب أن يؤسس شركة تقنية أو يصبح خبيرًا في الذكاء الاصطناعي. فالمستقبل يحتاج إلى المهندس والطبيب والمعلم والمزارع والحرفي والباحث ورائد الأعمال، وإلى أشخاص يجمعون بين الكفاءة المهنية والقدرة على التعلم والتكيف.

كما لا ينبغي أن يُقاس نجاح الشباب فقط بقدرتهم على الهجرة إلى الاقتصادات الأكثر تقدمًا، بل أيضًا بقدرة مجتمعاتهم على توفير بيئة تسمح لهم بالعمل والإبداع وبناء حياة كريمة. فالانفتاح على العالم يمكن أن يصبح مصدرًا للمعرفة والاستثمار والأسواق، شرط أن تتوافر قنوات تربط الخبرات الدولية بالتنمية المحلية.

وفي النهاية، لا تتمثل القضية في انتظار جيل جديد كي يتولى المسؤولية يومًا ما؛ فالشباب يعيشون نتائج القرارات الاقتصادية والتعليمية اليوم، ويستطيعون المشاركة في صياغتها اليوم أيضًا.

إن مستقبل العالم العربي لن يتحدد فقط بحجم موارده، بل بما يفعله بهذه الموارد، وبالمكان الذي يمنحه لعقول أبنائه. ولن يصبح الشباب قوة منتجة بمجرد وصفهم بأنهم أمل المستقبل، بل عندما تتوافر لهم أدوات صنعه.

لذلك، ربما لا يكون السؤال الأهم: ماذا سنقدّم للشباب العربي؟

بل: هل نحن مستعدون لبناء مجتمعات تتيح لهم أن يبتكروا، وينتجوا، ويخاطروا، ويتعلموا، ويشاركوا في اتخاذ القرارات التي ترسم مستقبلهم؟

فالشباب ليسوا فصلًا مؤجلًا في قصة التنمية العربية.

إنهم أحد أهم كتّابها اليوم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى