
بقلم راشد شاتيلا
لا يكفي أن نفتخر بكفاءاتنا، علينا أن نبني وطنًا يمنحها أسباب البقاء.
في لبنان، لا تنقصنا العقول التي تحلم، ولا الكفاءات التي تستطيع النجاح، بل ينقصنا وطن يتيح لهذه الطاقات أن تحوّل أحلامها إلى واقع. فحين يصبح الرحيل خيارًا أمام شاب يبحث عن فرصة، لا تكون المسألة خسارة فرد فحسب، بل سؤالًا عن قدرة لبنان على الاحتفاظ بأحد أهم مقومات مستقبله.
الشباب اللبناني ليس عبئًا على الدولة، بل ثروة تحتاج إلى تعليم حديث، وفرص عمل عادلة، ومؤسسات تحترم الكفاءة. وقد نشرت منظمة العمل الدولية في 15 تموز 2024 بيانات تشير إلى أن بطالة الشباب في لبنان بلغت 47.8 في المئة، ما يعكس حجم التحدي الذي يواجه الأجيال الجديدة.
لكن الشهادة وحدها لا تصنع مستقبلًا. المطلوب أن يلتقي التعليم بسوق العمل، وأن تتحوّل المعرفة إلى إنتاج، وأن يجد الشباب أبوابًا مفتوحة أمام الابتكار والمبادرة.
ثانيًا: من الهجرة إلى صناعة الفرص
ليس من العدل أن نلوم شابًا يغادر بحثًا عن الاستقرار، فيما لا نمنحه أسبابًا كافية للبقاء. الحل ليس في مطالبة الشباب بالتضحية، بل في بناء اقتصاد يقدّر مهاراتهم، ويدعم مشروعاتهم، ويمنحهم فرصة النجاح بعيدًا عن المحسوبية والعوائق غير الضرورية.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، يستطيع لبنان أن يوسّع فرص العمل في التكنولوجيا والهندسة والخدمات المتخصصة. لكن ذلك يتطلب بنية تحتية موثوقة، وتمويلًا متاحًا، وتعليمًا يواكب التحولات، ودولة تجعل القانون أساس المنافسة.
ثالثًا: وطن يثق بأبنائه
إن مستقبل الشباب مسؤولية مشتركة: على الدولة أن تصلح مؤسساتها، وعلى الجامعات أن تطوّر مناهجها، وعلى القطاع الخاص أن يستثمر في الكفاءات، وعلى الشباب أن يواصلوا التعلّم والمبادرة والمشاركة في الحياة العامة.
وقدو تناول البنك الدولي في تقريره «مرصد الاقتصاد اللبناني – ربيع 2025» تحديات التعافي الاقتصادي والإصلاحات المطلوبة في لبنان. وهذه الإصلاحات ليست أرقامًا في تقارير؛ إنها جزء من الظروف التي تحدّد إن كان الشاب سيتمكّن من العمل والاستثمار والتخطيط لحياته.
لا يحتاج لبنان إلى مطالبة شبابه بالإيمان بالمستقبل بقدر حاجته إلى جعل هذا المستقبل ممكنًا.
فالوطن الذي يفتح الطريق أمام أبنائه لا يخشى رحيلهم، بل يمنحهم أسباب العودة، وأسباب البقاء، وأسباب الحلم. ولبنان الذي نطمح إليه هو وطن لا يضطر فيه الشاب إلى الاختيار بين كرامته ومستقبله، بل يجد فيه مساحةً يصنع من خلالها الاثنين معًا.



