
بقلم الدكتور محمد كامل الرفاعي
فبحسب تقييم البنك الدولي للفقر والإنصاف لعام 2024، ارتفعت نسبة الفقر في المناطق التي شملتها الدراسة من 12% عام 2012 إلى 44% عام 2022. وفي أيلول 2026، حذّرت اليونيسف من أن أربع أسر من كل خمس أسر شملها التقييم تواجه صعوبة في تأمين احتياجاتها الأساسية، فيما أفادت 22% من الأسر بأن أطفالها ناموا جائعين خلال الأسبوعين السابقين للمسح.
وراء هذه الأرقام حكايات يومية لا تظهر في الجداول والإحصاءات. أسرة تؤجّل شراء الدواء، وأخرى تخفّض نفقات تعليم أبنائها، وثالثة تستغني عن بعض احتياجاتها لتتمكن من تأمين الطعام. ومع تكرار هذه الخيارات، لا يعود الحرمان ظرفًا عابرًا، بل يصبح جزءًا من الحياة اليومية، وتتراجع قدرة الأسرة على التفكير في المستقبل بعدما تنشغل بتدبير احتياجات اليوم.
والأصعب أن العمل لم يعد كافيًا دائمًا لتأمين حياة مستقرة. فحين لا تتناسب الأجور مع كلفة المعيشة، يجد الإنسان نفسه يعمل أكثر ليحافظ على الحد الأدنى من متطلبات أسرته، من دون أن يتمكن بالضرورة من تحسين ظروفها. وهنا تتسع المسافة بين الجهد الذي يبذله الفرد والنتيجة التي يستطيع تحقيقها، ويصبح الخروج من دائرة الفقر أصعب مما يبدو.
لكن الخطر الأكبر يظهر حين يدفع الأطفال ثمن هذه الظروف. فتراجع الإنفاق على التعليم والصحة والتغذية قد يحرمهم من فرص يحتاجون إليها لبناء مستقبل أفضل، فيما قد تضطر بعض الأسر إلى دفع أبنائها نحو العمل في سن مبكرة. ومع مرور الوقت، تتراجع فرص هؤلاء الأطفال في تحسين أوضاعهم، ويصبح الحرمان الذي عاشه الأهل احتمالًا يواجه أبناءهم أيضًا.
وللفقر وجه آخر لا يقل قسوة عن العوز المادي. فالعجز المتكرر عن تلبية احتياجات الأسرة قد يولّد شعورًا بالعجز أو الإحراج، ويضعف مشاركة الإنسان في محيطه الاجتماعي. وحين يصبح تأمين الاحتياجات الأساسية مصدر قلق دائم، لا تتأثر حياة الفرد الاقتصادية وحدها، بل تتأثر علاقاته واستقراره النفسي وشعوره بالأمان.
ومع ذلك، ليس من العدل أن نحمّل الفقير مسؤولية فقره، أو أن نردّ الحرمان إلى ضعف الإرادة والطموح. فكثيرون يعملون ويجتهدون، لكنهم يواجهون واقعًا تتراجع فيه فرص العمل اللائق، وترتفع فيه كلفة المعيشة، فيما تبقى الحماية الاجتماعية محدودة أمام حاجاتهم المتزايدة.
وتزداد خطورة الوضع حين لا يعود الفقر مقتصرًا على الفئات الأشد ضعفًا، بل تمتد آثاره إلى أسر كانت قادرة على تلبية احتياجاتها، وإلى طبقة وسطى تجد نفسها مضطرة إلى استنزاف مدخراتها والتخلي تدريجيًا عن بعض مقومات الاستقرار. فالمشكلة لا تكمن في اتساع رقعة الحرمان فحسب، بل في تراجع قدرة المجتمع على حماية أفراده من السقوط فيه.
ولا يمكن مواجهة هذا الواقع بالمساعدات الطارئة وحدها، على أهميتها. فالمطلوب سياسات تتيح فرص عمل بدخل يكفي لتأمين حياة كريمة، وتحفظ حق الأطفال في التعليم والرعاية الصحية، وتوفّر شبكات حماية للأسر التي تعجز مواردها عن مواكبة كلفة المعيشة. فالمساعدة تسدّ حاجة ملحّة، لكن المعالجة الحقيقية تبدأ عندما يصبح الإنسان قادرًا على الاعتماد على عمله، والتخطيط لمستقبل أسرته، بدل البقاء أسيرًا لاحتياجاته اليومية.
الفقر ليس قدرًا محتومًا، ولا ينبغي أن يتحول إلى إرث ينتقل من الآباء إلى الأبناء. والمجتمع الذي يريد حماية مستقبله لا يكتفي بإعانة الفقير على تجاوز يومه، بل يسعى إلى إزالة العوائق التي تحول دون تقدّمه. فليس مقبولًا أن تتحدد فرص الإنسان بما وُلد فيه من ظروف، بدلًا مما يستطيع أن يتعلمه ويعمل من أجله ويحققه.
فالمجتمع لا يُقاس بما يملكه من ثروة فحسب، بل أيضًا بقدرته على ألّا يترك أبناءه أسرى للحرمان، وأن يمنحهم فرصة حقيقية لحياة أكثر كرامة واستقرارًا.



