
بقلم راشد شاتيلا
في ظلّ التحديات التي يواجهها لبنان، تبرز ضرورة الحفاظ على موقف وطني موحّد يتمسّك بالقرار الدولي 1701 وباستمرار قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل» في الجنوب. فالقضية لا تتعلّق بترتيب أمني عابر، بل بحماية الاستقرار ومنع اتّساع المواجهات وصون مصالح اللبنانيين. وفي القضايا التي تمسّ أمن البلاد وسيادتها، يصبح التوافق الداخلي عنصر قوّة، لأنّ الانقسام يضعف القدرة على مواجهة المخاطر، فيما يمنح التفاهم الوطني لبنان مساحة أوسع للدفاع عن حقوقه ومصالحه.
يشكّل القرار 1701، الصادر عن مجلس الأمن عام 2006، إطارًا دوليًا أساسيًا لمعالجة الوضع الأمني في جنوب لبنان. وتكمن أهميته في ربط الاستقرار بوقف الأعمال العدائية، واحترام الخط الأزرق، وتعزيز دور الدولة اللبنانية وقواتها المسلحة في الجنوب، بالتعاون مع اليونيفيل. غير أنّ قيمة أيّ قرار دولي لا تُقاس بنصوصه وحدها، بل بمدى الالتزام بتطبيقه. لذلك، فإنّ التمسّك به يجب أن يترافق مع المطالبة بتنفيذه بصورة كاملة ومتوازنة، بما يحفظ سيادة لبنان ويمنع فرض الوقائع بالقوة.
إنّ وجود اليونيفيل في الجنوب يمثّل عنصرًا مهمًا في منظومة الاستقرار، من خلال مراقبة الأوضاع ضمن ولايتها، والتواصل مع الأطراف المعنية، ودعم تنفيذ القرار 1701. ولا يعني ذلك أنّ القوات الدولية قادرة وحدها على منع كلّ خرق أو إنهاء كلّ مواجهة، بل إنّ فعاليتها ترتبط باحترام ولايتها والتعاون معها ودعم المؤسسات اللبنانية المختصة. ومن هنا، فإنّ استمرار وجودها ضمن إطار الأمم المتحدة يتيح الحفاظ على قناة دولية لمتابعة التطورات والحدّ من مخاطر التصعيد، في مرحلة يحتاج فيها الجنوب إلى ضمانات عملية تحمي سكانه وأرضه.
لا يتعارض التمسّك بالقرار 1701 مع المطالبة بسيادة لبنان، بل ينبغي أن يكون جزءًا من مسار يعزّز سلطة الدولة ويحمي حدودها. فالاستقرار المستدام لا يتحقّق بالاعتماد على الأطراف الخارجية وحدها، وإنما ببناء قدرة المؤسسات اللبنانية، ولا سيّما الجيش، على أداء مسؤولياتها وفق الدستور والقوانين والقرارات الدولية ذات الصلة. كما أنّ حماية سكان الجنوب وإعادة إعمار ما تضرّر وتأمين عودة الحياة الطبيعية إلى القرى والبلدات يجب أن تبقى في صلب الأولويات الوطنية. فالجنوب ليس مجرّد ساحة للصراعات، بل أرض لبنانية يعيش فيها مواطنون لهم الحقّ في الأمن والكرامة ومستقبل مستقر.
إنّ التمسّك ببقاء الجنوب ضمن إطار المتابعة الدولية لا يعني التخلّي عن القرار الوطني، بل استخدام الأدوات الدبلوماسية والقانونية المتاحة لحماية لبنان ومنع تكرار دوّامات العنف. والمطلوب اليوم موقف لبناني واضح يدعم تنفيذ القرار 1701، ويحافظ على دور اليونيفيل، ويعزّز مسؤولية الدولة عن أمن الجنوب، بالتوازي مع تحرّك دبلوماسي فاعل لدى الأمم المتحدة والدول المؤثرة. فلبنان لا يحتاج إلى مغامرات جديدة، بل إلى حماية استقراره وصون سيادته وتخفيف معاناة أهله. وكلّما توحّد موقفه حول هذه الأولويات، ازدادت قدرته على الدفاع عن مصالحه. فالجنوب جزء لا يتجزّأ من لبنان، وحمايته ليست مسؤولية منطقة أو فريق، بل واجب وطني يقع على عاتق الدولة وجميع اللبنانيين.



