بينَ رملِ الصناديقِ وجبالِ زاگرس: فلسفةُ النَفَسِ الأخير

ب✍️محمد الجوهري.

ناشط وكاتب سياسي.

تقف طهران على شرفة التاريخ، ترقب عبث "الصناديق" الغربية خلف البحار.

هناك، حيث تُقاس حيوات الشعوب ومصائر الأمم بمؤشرات الأسهم، وتُباع الحروب وتُشترى في أسواق المزايدات الإنتخابية؛ مسرحٌ ممتد من الهزل السياسي الذي يختزل الوجود الإنساني في ورقة اقتراع عابرة.

بالنسبة لعقلٍ يمتد عمق سلالته الفكرية عبر آلاف السنين من الحكمة والتحولات، تبدو هذه القعقعة الإعلامية الأميركية والإسرائيلية كـ "مسرحية خيول خشبية"؛ صخبٌ صاخب يدور حول نفسه ليرضي غريزة البقاء لدى ملوكٍ مؤقتين يحكمون لأجل مسمى، ثم يرحلون إلى طيات النسيان.

تصريحٌ يوقظ الموت ويسكب النار في جوف الليل، وتصريحٌ يليه في الصباح الباكر يطفئ الفتيل، لا لشيء، إلا لأن حسابات النفط والوقود في محطات الغرب الباردة لا تحتمل ثمن قطرة دمٍ واحدة تُسفك في هذا الشرق.

إنه "الوقت المستقطع" الذي يشتريه الساسة لحماية عروشهم الهشة من غضب الناخبين، مستبدلين كبرياء الإمبراطوريات بحسابات البقاء الصغير.

تتأمل إيران هذا المشهد من منظور "فلسفة الزمن"، فالغرب يعيش في أسر "الزمن الخطّي المتسارع"؛ زمن الساعة الرقمية، والصدمات الخاطفة، والإنتصارات السريعة التي تغذي شاشات العرض.

أما الشرق فيتجرع "الزمن الدائري الصبور"، زمن النضوج البطيء والغوص في طبقات التاريخ المعقدة.

إن هذا التضارب بين التهديد بالتدمير والإنسحاب الفجائي في الليلة التالية، ليس صدفة سياسية، بل هو تجلٍ لأزمة "العدمية الغربية" التي تفصل القوة عن غايتها الأخلاقية. فالقوة لديهم لم تعد أداة لتأسيس نظام، بل أصبحت مجرد استعراض مشهدي، عرض مسرحي "هوليوودي" يتأرجح بين جنون العظمة والذعر من العواقب.

لذلك، لا تقرأ طهران العالم بلغة الأرقام الإنتخابية، بل بلغة "حياكة السجادة الفارسية" التي تُنسَج بالصبر، عقدة تلو عقدة، في عتمة البيوت وهدوء الحجرات.

ترى في هذا التردد الطاغي فوق البيت الأبيض وفي أروقة تل أبيب، ليس حكمةً أو تراجعاً أخلاقياً، بل "رائحة يأس" تفوح من كيانات تخاف من حتمية السقوط الوجودي. إنهم يلوحون بـ "أم القنابل" ليخفوا خلفها خوفاً دفيناً من العتمة؛ العتمة الحقيقية التي قد تصيب شاشاتهم الذكية وكابلات اتصالاتهم البحرية الممتدة في قيعان المحيطات، والبرودة القاسية التي قد تجتاح مدنهم المضيئة إذا ما قُطع شريان النفط الأسود في مضيق هرمز. هم يخافون انقطاع التدفق، تدفق البيانات والوقود، الذي بدونه يتحول نموذجهم الحضاري إلى هيكل عظمي بلا روح.

إنها مواجهة عميقة بين فلسفتين للحياة والموت؛ فلسفة "اللحظة الراهنة" البراغماتية التي يمثلها ترامب ونتنياهو، حيث كل شيء قابل للبيع والمساومة والتاجيل، وفلسفة "النَفَس الطويل" والشهادة والإمتداد الروحي التي تتسلح بها طهران.

الغرب يرى في الحرب فصلاً لإنهاء الأزمات أو حصد الأصوات، بينما يراها العقل الشرقي امتداداً لقدر تاريخي محتوم يتطلب الصمود والإستعداد لدفع الأثمان مهما عظمت.

بينما ينشغل العالم بضجيج الضربة التي أُجلت، والوعيد الذي تبخر مع خيوط الفجر الأولى، تبتسم الروح القابعة في جبال زاگرس ابتسامة هادئة، متوجسة ولكنها واثقة. تدرك أن الدبلوماسية والحرب ليسا إلا وجهين لعملة واحدة في سوق الإمبراطوريات، وأن من يملك السيطرة على أعصابه في الربع ساعة الأخير من صراع الإرادات، ومن يتقن مهارة الإنتظار على حافة الهاوية دون أن يرمش له جفن، هو وحده من يملك الحق في كتابة الخاتمة فوق رمال هذا الشرق المتحركة، وهو من سيعيد ترتيب أحجار الشطرنج بعد أن تنفض غبار الإنتخابات وتغلق صناديق الأوهام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى