
بقلم الدكتور محمد كامل الرفاعي
ارتبطت التربية ببناء الشخصية وتهذيب السلوك، لا بمجرد تحصيل المعرفة. فالتعليم الحقيقي لا يصنع متعلّمًا فحسب، بل إنسانًا يعرف حقوقه وواجباته ويحترم الآخرين.
في لبنان، حيث تتراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية، لا يمكن إنكار تراجع الانضباط في بعض المدارس، ولا تجاهل معاناة المعلّمين الذين يواجهون ضغوطًا معيشية ومهنية كبيرة. لكن اختزال المشكلة في تقصير الأسرة وحدها ليس إنصافًا، بل تبسيط لأزمة تتحمّل مسؤوليتها منظومة كاملة.
نعم، التربية تبدأ من البيت، وعلى الأهل تعليم أبنائهم احترام المعلّم ومتابعة سلوكهم وعدم تبرير أخطائهم. لكن المدرسة مسؤولة عن ضبط السلوك، ووزارة التربية عن حماية المعلّمين، والدولة عن إنقاذ قطاع تعليمي أنهكته الأزمات.
ولا يمكن فصل أزمة التربية عن أزمة المعيشة؛ فالمعلّم يحتاج إلى الإنصاف والاستقرار، والأهل إلى الدعم في مواجهة تكاليف التعليم والحياة، والطالب إلى التوجيه والانضباط. فالأزمة الاقتصادية قد تفسّر بعض أوجه التقصير، لكنها لا تبرّر إهانة المعلّم، كما أن الدفاع عنه لا يعفي المؤسسات والدولة من مسؤولياتها.
والحل يبدأ بقواعد سلوك مدرسية واضحة تُطبّق بعدالة، وتعاون فعلي مع الأهل، وآليات تحمي المعلّمين وتحاسب المعتدين عليهم، إلى جانب تحسين أوضاع القطاع التعليمي وتعزيز الإرشاد النفسي والتربوي.
فالبيت يربّي، والمدرسة تعلّم وتوجّه، والمجتمع يرسّخ القيم، والدولة تحمي الحقوق. ولا يمكن لأي طرف أن ينجح بمعزل عن الآخرين.
إن إنقاذ التعليم في لبنان لا يكون بإلقاء اللوم على الأهل وحدهم، ولا بترك المعلّم وحيدًا، بل بمحاسبة كل مقصّر وإنصاف كل صاحب حق. فلا نطلب من المعلّم أن يصنع معجزة، ولا من الأسرة أن تواجه وحدها نتائج انهيار منظومة كاملة، بل نطالب الجميع بتحمّل مسؤولياتهم وتحويل الوعود إلى إصلاح حقيقي.
فخسارة التعليم ليست خسارة سنة دراسية فحسب، بل خسارة جيل كامل. وعندما نفشل في حماية المعلّم ودعم الأسرة وتربية أبنائنا، فإننا لا نضعف المدرسة وحدها، بل نضعف الأساس الذي يُبنى عليه مستقبل الوطن.
فالسؤال لم يعد: مَن قصّر في تربية هذا الجيل؟ بل: هل نملك الشجاعة لمحاسبة كل من قصّر، وإصلاح ما أفسدته الأزمات، قبل أن يصبح ثمن تقصيرنا مستقبل وطن بأكمله؟



