الخطيب: نجهد للإبقاء على الوحدة الداخلية

أدى نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى العلامة الشيخ علي الخطيب الصلاة، في مقر المجلس، والقى خطبة الجمعة التي قال فيها:

“(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الامُورُ).

بما ورد في ذيل الآية (وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) واتباع خطوات الشيطان هو السلوك الخارجي ناتج عن الانصات إلى وسوساته وإيحاءاته التي تعني التلاعب بالنفس والتأثّر بما يزيّنه لها ويغريها به من القبائح والاعمال الشريرة وينفخ فيها من الحسد والحقد والتغلّب والكثرة وحب الشهرة وجمع الأموال والتباهي وحبّ الأنا والإثرة وسواها من الصفات النفسية الخبيثة والفاسدة التي تبعث على القلق الدائم والاضطراب النفسي الذي يقضي أولاً على السلام الداخلي للفرد وينعكس أيضاً على تصرفاته الخارجية فساداً في العلاقات مع الاخرين وعدواناً وحروباً.

كل ذلك الفساد وهذه الأخطار يعيدها الله سبحانه وتعالى إلى الشيطان ولذلك نبهنا إلى خطره وعداوته ووجوب الحذر منه فقال (وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) مُبيّناً أن سبب هذه الوسوسة والايحاء والتزيين بأنه عدو للإنسان والبشرية حسداً، لأنّ الله تعالى كرَّمنا وجعلنا خلفاء له بتكريم لأبينا ابي البشرية آدم حين أمر إبليس والملائكة بالسجود له فأبى واستكبر وكان من الكافرين”.

اضاف: “أيها الاخوة، كيف نُترجم نحن المؤمنين هذه الاستقامة في حياتنا العملية أمام التحديات التي تواجهنا، هناك تحديات وجودية خطيرة متعددة ومتنوعة تواجهنا كأفراد وكمجتمع في الثقافة وفي الاجتماع في السياسة وفي الاقتصاد، أخطار داخلية عبر تخريب الوحدة الوطنية ونشر الفتن الطائفية وأخطار خارجية، هناك عدو يحتل أرضنا ويمارس التهديد بالحرب ويحاصرنا ويعمل على تفكيك بنيتنا الاجتماعية عبر نشر الفساد الثقافي وتغيير المفاهيم وقطع علاقتنا بثقافتنا وديننا وتراثنا وتاريخنا وأمتنا وإنسانيتنا”.

وتابع: “السؤال هو كيف نواجه كل هذه التحديات الخطيرة؟ وما هي الخطوات التي ينبغي علينا أن نقوم بها حتى نحفظ وجودنا كمؤمنين في ظل انعدام المسؤولية واختلال النظام والانقسام الخطير في المجتمع اللبناني والاختراق لمؤسسات الدولة التي كانت لتخفّف كثيراً من هذه الأعباء وهو من مسؤوليتها وواجبها لو انتظم أمرها وتحمل همّ الدولة والناس، وكانت لها سياسات ثقافية تحمي قيم المجتمع المهددة باختراقات ثقافية تخريبية وسياسات وبرامج إجتماعية وصحية تعليمية واقتصادية تقوم بخدمة الناس والمجتمع وتخفّف عنهم أعباء الحياة ومع سياسات وخطط دفاعية تدافع عن السيادة والارض والشعب والدولة”.

اضاف: “ولكن مع الاسف الشعب اللبناني اليوم يفتقد هذه الدولة، نحن لا ننعي الدولة ولا نعمل على ايجاد بديل للمؤسسات الرسمية ويجب أن نسعى كمواطنين لتفعيلها ولدينا ما نطرحه للخلاص من المرض والداء الذي يجعلها عاجزة وقاصرة وغير فاعلة تنهار عند الاصطدام بأيّ مشكلة واستحقاق داخلي أو خارجي، ونجهد في القيام بأي جهد للإبقاء على الوحدة الداخلية والمصالح الوطنية وإبقائها السقف الذي لا يجوز التضحية به لمصالح طائفية أو مذهبية او شخصية، وأن تكون مصالح الدولة الاستراتيجية الخط الاحمر الذي لا يجوز لأيّ جهة أن تتجاوزه مهما كانت الأسباب، لأننا نعلم أن الدولة والوطن هما القيمة التي لا يجوز التفريط بها ويجب حفظها والدفاع عنها وفي بعض الأحيان الاستشهاد من أجلها حين تتعرّض الكرامة الوطنية للامتهان والانتهاك، كما في مواجهة العدو للقيم وللإنسانية الذي يتهدّدها بالحرب والاحتلال والعدوان والقتل والتدمير كما فعلت وتفعل دولة العصابات الصهيونية مدعومة بقوى الشر الدولية التي تؤمّن لها الغطاء الدولي السياسي والعسكري كل ما تحتاجه لممارسة عدوانيتها وانتهاكاتها ومجازرها البربرية والارهابية وقتل وتدمير كل ما يرمز للحياة، وهي مارست وتمارس اليوم هذا البطش والاجرام في غزة والضفة الغربية وبحقّ الشعب الفلسطيني عموماً في كل أرضه وعلى الحدود اللبنانية، وتمارس عدوانها على قراه ومدنييه أمام العالم والمنظمات الدولية دون أن تلقى حتى إدانة من مجلس الامن الدولي، وجلّ ما يفعل أن يغض البعض عنها الطرف بينما يشجعها الاخر على ارتكاب المزيد كالولايات المتحدة الاميركية”.

وقال: “أمام هذا الواقع وفقدان الدولة القادرة عن القيام بمسؤولياتها تجاه شعبها لا يتبقى سوى أن يقوم المجتمع بما يمكنه لسدّ هذه الثغرات بالحدّ الادنى أفراداً ومؤسسات اجتماعية وثقافية أهلية، ولا يمكن الوقوف مكتوفي الأيدي أمام هذا الواقع المرير، وليس من حق أحد أن يقول أن هذه ليست مسؤوليتي وأن نقول للناس كما قال اليهود لموسى (اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ)، بل المطلوب أن تتكاتف الأيدي كلٌّ بحسب قدرته لتقديم ما يمكن تقديمه في هذا المجال أو ذاك حسب الاولويات حتى نجتاز هذه الازمة ونَعْبُر بالمجتمع إلى شاطئ السلامة. لكن يأتي بالأهمية في هذه الاولويات الشعور الداخلي بالمسؤولية يعني إصلاح النفس وأن تكون النفس خيِّرة تحبّ الخير والصلاح، فإصلاح النفس يأتي بالأولوية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ)”.

واشار الى ان هناك سُلَّما في الأولويات تبدأ بالنفس ثم الأقرب فالأقرب كما يقول أمير المؤمنين (ع): “الله الله في أعزّ الانفس عليكم وأحبّها إليكم”. وقال: “هذا في الاصلاح وفي مواجهة الفساد الاخلاقي والجهاد الثقافي في الالتزام بالحكم الشرعي والمسؤولية الاخلاقية والاجتماعية وما يقتضيه من تهذيب للنفس والاخلاق والاتصال بالأخلاق الحميدة والابتعاد عن المعاصي وارتكاب المحرمات وفي الطاعة لله والالتزام بحدوده”.

ورأى الخطيب ان “هذه الاخلاق وهذه الثقافة تتعرّض اليوم للدمار بفعل الحرب الثقافية التي تشعلها الثقافة الغربية وقيمها القائمة على إثارة الشهوات والغرائز وإشاعة المنكرات والترويج للمخدرات، هذه الحرب الناعمة التي تعمل على هدم بنياننا الثقافي والاخلاقي وتُسخِّر لها كل وسائل الدعاية والإعلان، وتحاول اليوم أن تتطور اساليبها اللاأخلاقية بالترويج للشذوذ الجنسي ولمسخ الهوية الانسانية للأفراد وتفكيك المجتمعات وإدخال هذا الإفساد للمدارس والجامعات، وكذلك انتشار المقامرة والكثير من الفساد التي لا مجال لتعدادها كالاختلاط من غير ضرورة الذي أصبح للأسف عادة حتى لدى المحجبات، وفي موضوع المشاكل الاجتماعية من مشاكل الزوجية والطلاق والحضانة ووجوب الالتزام بالأحكام الشرعية وثقافة الاحكام الشرعية الى النزاعات العائلية والعشائرية واستسهال القتل وسفك الدماء إلى الحاجات الصحية ومشكلة الاستشفاء إلى الاحتكار ورفع الأسعار وموضوع الفقر والحاجة كل هذه المشاكل مسؤوليات حلّها يقع اليوم على المجتمع والمؤسسات الاهلية والمتمكّنين مادياً”.

وأكد “انّ الشعور بالسلام يكون حينما يؤدي كلّ منا واجبه بقدر ما يستطيع في أي مجال من المجالات، أما الذين يقعدون عن هذا الواجب ضنّاً بأموالهم خوف الفقر فهؤلاء يظنون بالله ظنّ السوء وعليهم دائرة السوء وقال الله تعالى فيهم: (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا)”.



وقال: “إذاً مع تخلّي الدولة ليس أمامنا وأمام المجتمع اللبناني سوى أن يعتمد على نفسه بما أمكن لمواجهة الحدّ الأدنى من تحقيق السلام والامن الاجتماعي حتى تستفيق القوى السياسية وتقوم بالاتفاق على ملء الفراغ في المؤسسات الدستورية التي نرجو أن تكون الاستحقاقات الداهمة والاخطار المحدقة بالبلاد دافعاً لها للقيام بذلك وتحمل مسؤولياتها على أنّ الشعب اللبناني لم ينتظرهم عندما تخلوا عن مسؤولياتهم في الدفاع عن لبنان وشعبه فحرّرت المقاومة الارض وطردت العدو وها هي اليوم تُلقِّن هذا العدو الدروس التي لن ينساها وهي تقضّ مضاجعه وتهاجم أوكاره التي اضطر للاحتماء بها فحمت لبنان من شروره بعد أن كان يعتقد أن المجازر التي يرتكبها في غزة ستُخيف المقاومة وتردعها عن حماية الحدود اللبنانية. لقد كان كل ذلك بفضل عزيمة المجاهدين المقاومين والشهداء الذين بذلوا دماءهم في سبيل الله تعالى وحماية لوطنهم وشعبهم وحفظاً لكرامته، وبفضل هذه المقاومة في لبنان والمنطقة في العراق وسوريا واليمن ومساعدة شعوب العالم اضطر هذا العدو أن يرضخ لشروط حماس والجهاد وفصائل المقاومة الفلسطينية. وإنا نتوجّه لله سبحانه بالدعاء بالنصر للمقاومة والشعب الفلسطيني ونسأل الله تعالى الرحمة للشهداء والشفاء للجرحى والمصابين والصبر والاجر العظيم لأهالي الشهداء”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى