
ادى نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى العلامة الشيخ علي الخطيب الصلاة في مقر المجلس، والقى خطبة الجمعة التي قال فيها: بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيّدنا ومولانا أبي القاسم محمد ابن عبدالله وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه المنتجين وعلى جميع الأنبياء والمرسلين والشهداء والصالحين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أيها الأخوة، لا نزال في أجواء شهر شعبان نعيش أجواء ولادة الائمة الطاهرين وقد تحدثت عن هذه المناسبات، شهر شعبان وما يعنيه الاهتمام به وبغيره من بعض الأشهر القمرية التي ورد الحثّ فيها عن رسول الله (ص) وأهل بيته الطاهرين على القيام ببعض العبادات، كما تطرقنا بالحديث إلى ولادة بعض أئمة أهل البيت (ع) من بعض الوجوه وأرى ضرورة استكماله بما يتناسب مع ما تعيشه الأمة على كل الصعد وما تتعرّض له من إهانة وخزي وشعور بالعجز أمام ما يعانيه الشعب الفلسطيني في غزة وما نعيشه نحن في بلدنا العزيز لبنان وما يجري من أحداث خطيرة في الجنوب وما تشكّله هذه الاحداث من أخطار على الكيان اللبناني وشعبه العزيز.
إنّ الامام الحسين (ع) لم يكن شخصاً عادياً أيها الأخوة، وإنما هو واحد من الرجال الذين ادَّخرهم الله تعالى لمهمة تاريخية عظيمة لها صلة بالرسالة الإلهية التغييرية استكمالاً لمهمة من سبق من الأنبياء (ع) التي اختصرتها الآية المباركة وهي قوله تعالى:
(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الأعراف: 157.
هذه المهمة التي هي مهمة ترسيخ القيم المعنوية وتحقيق العدالة الالهية وإنقاذ البشرية من طغيان القيم المادية وشرورها التي استحالت استكباراً في الارض وفساداً وظلماً وجهالة وعبودية واستضعافاً لعباد الله.
هذه العناوين أيها الاخوة تختصر مهمة الأنبياء ورسالاتهم على مدى التاريخ الإنساني وآخرها النبوة الخاتمة التي أُختير لها رسول الله محمد ابن عبدالله (ص) واصطفاه من بين سائر الناس للقيام بهذه المهمة الخطيرة، وهي خطيرة لأنها تعني المواجهة لعدوانية الفريق المستكبر والمستبد والمستأثر دفاعاً عن طغيانه واستكباره واستئثاره ومصالحه بكل ما أُوتي من قوة التي يُشكّل الانبياء بدعوتهم تهديداً لها، كما انها ستواجه الفريق المستضعف واقناعه بها وهذه المهمة لن تكون سهلة، فقد ترسخّت لديهم اعتقادات وخرافات وأعراف وعادات باطلة لم يكن التخلي عنها أمراً سهلاً عَمَّقَها استغلال الفريق المستكبر والمستأثر بسبب السياسات التي انتهجها هؤلاء، فصاروا ضحايا يَسْهُل تضليلهم وتجنيدهم في رفض الاستجابة والانقياد لدعوة الانبياء وإفشال مهمتهم، مما جعل مهمة الأنبياء في إنقاذهم وكسر طوق العبودية الذي أحاط بأعناقهم أشدّ صعوبة.
فكان على الأنبياء إذاً أن يواجهوا على جبهتين: الاولى جبهة الاستكبار والاستغلال، والثانية مع من جاؤوا لإنقاذهم ووضع الاثقال عنهم فكان عليهم الارتقاء بوعي الطبقة المستضعفة حتى تصبح مُهيئة لتلقي الدعوة الجديدة والاستعداد لمواجهة التداعيات لأن ذلك سيُهدد مصالح الطبقة المستكبرة والمتحكّمة ويدفعها للمواجهة.
إذاً لم تكن مهمة الانبياء في ترسيخ القيم المعنوية والاخلاقية في مواجهة القيم والاعراف الجاهلية والانحطاط الأخلاقي التي ترسَّخت بفعل عوامل مختلفة وتحقيق العدالة الاجتماعية المفقودة لم تكن هذه المهمة سهلة التحقيق خصوصاً أنها رسالة الخلاص الأخيرة للبشرية جمعاء غير مخصوصة بقوم ولا بزمن محدد.
على أن هذه المهمة كما أثبتت الوقائع لم يكن بالمقدور لا لفرد ولا لمجموعة أن تتولاها فكل التجارب البشرية فكراً وممارسةً أثبتت فشلها وعجزها عن الوصول بالبشرية إلى شاطيء الأمان، وإنما الذي حصل هو تكرار للمأساة وتعميق لها بأسماء وعناوين مختلفة وأن البشرية عاجزة عن الخروج من هذه الدائرة بعيداً عن الهدي الإلهي.
أيها الأخوة، لقد كانت الارادة الإلهية أن توفر على البشرية كل التجارب المرة التي عاشتها وهي تبحث عن سبيل للوصول إلى هذه الغاية رافضة سلوك هذا الهدي مكتفيةً بالاعتماد على قدراتها الفكرية الذاتية في ما تعتقد أنّ فيه خلاصها وكلّما انتهت تجربتها إلى الفشل أعادت إنتاجها من جديد وهي ستبقى تُنتج فشلها إلى أن تتحقّق الظروف التي تنهي هذه المأساة وتفتح الباب للهدي أن يقول كلمته الأخيرة ويُحقّق للبشرية خلاصها النهائي مُنهياً بذلك مراحل من إعطاء البشرية فرصتها في الاختبار التي أثبتت أن لا غنى لها عن هدي السماء والوحي الإلهي.
واذا كانت المسألة في هذا التعقيد أدركنا خطورة المهمة واحتياجها لإعداد إلهي خاص يحتاجها حَمَلتها وهم النبي وآله (ع) وكان الامام الحسين (ع) واحداً منهم وليس رجلاً عادياً مثله مثل بقية المسلمين، فما ورد من الآيات والروايات الصحيحة في مقامه عن رسول الله (ص) وهي كثيرة نورد بعضها، أما الآيات: فآية التطهير فقوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)، وآية المباهلة: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ).
وأما الروايات فمنها قوله (ص): “إن الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة”، “حسينٌ مني وأنا من حسين” ، ” الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا وانهما سيدا شباب أهل الجنة” ، “وانه سيد الشهداء”، وغيرها من الروايات الكثيرة التي تُعبّر عن الدور الذي أُعدّ للقيام به دفاعاً عن الأمة ورسالتها.
ونحن نحتفل بولادته نحتفل بالشهادة وقيمة الشهادة في حياة الأمة والتضحية وبذل النفس في سبيل الله سبحانه وتعالى ودفاعاً عن الانسانية وقيمها، وهي تُمثّل يقظة الأمة وحيويتها ووعيها ومقاومتها للظلم وتتطلعها إلى المستقبل العزيز وعدم رضوخها أمام جبروت المعتدي وطغيانه، مما يجعلها دائماً حين تستبطن هذه القيمة عصيّة على محاولات القهر والاستعباد والاذلال لتنهض من جديد كلما عَثُرَت وأوقع بها الدهر.
لذلك تُشكّل الشهادة اليوم إحدى أهم مظاهر القوة والعنفوان التي تُعبّر بها شعوبنا عن كرامتها في مواجهة محاولات الاذلال الذي يمارسه الغرب اليوم ضدها عبر دعمه للعصابات الصهيونية ومجازرها بحق الشعب الفلسطيني في غزة العزيزة التي تُعبّر بعنادها الاسطوري عن رفض الخضوع والاستسلام لمنطق القوة والقهر والإبادة والى جانبها المقاومة في جنوب لبنان وسوريا والعراق واليمن وكان الاحرى أن تكون معركة الأمة التي تمارس للأسف اليوم منطق أهل الكوفة مع الامام الحسين (ع) بتعبير الفرزدق: “قلوبهم معك وسيوفهم عليك”، الذين يتحمّلون مسؤولية ما يجري اليوم على الشعب الفلسطيني أمام الله والتاريخ.
أيها الأخوة، إنّ المسؤولية تقتضي أن يرى العالم وقوف الأمة جميعاً إلى جانب الشعب الفلسطيني بدل أن يتفرَّجوا عليه وهو يُذبح ويُباد أو يُظهِرَ البعض عليه البكاء أمام المنابر الدولية وهم يظهرون عجزهم عن إدخال الغذاء والدواء وعن إيقاف هذه الإبادة، فهل سيوقف البكاء ما يجري؟ وهل فقد العرب كل أدوات الضغط على العالم كي يوقفوا هذه الحرب على الأقل؟ وهل سيجعلكم هذا الموقف في مأمن من هذا العدو اللئيم والغاشم أم سيجرّؤه أكثر على بلدانكم إن استطاع التخلص من المقاومة وتهجير أهل غزة؟ “فوالله ما غُزِيَ قوم في عقر دارهم إلا ذُلوا”.
فللأسف أيضاً ليس هناك رغم كل المأساة التي تجري أيّ ردّ فعل شعبي فهل ماتت الحمية أمام الأعداء ولا تستيقظ إلا عند التحريض المذهبي والطائفي؟؟، بل الأنكى من ذلك أن يعمل على التخذيل والتحريض على القوى المقاومة التي تسند غزة والشعب الفلسطيني واتهامها بالتبعية لغايات مشبوهة في عمل خياني واضح للعدو، فلا يكفي عدم الوقوف والمساندة لشعب غزة والدفاع عن حدود الوطن وسيادته بل يتعدى هؤلاء كل حدود الأدب والاخلاق الوطنية إلى مساندة العدو وتسخير أدواتهم السياسية والاعلامية ومنابرهم لخدمة أهدافه بكل وقاحة وفجور متستّرين وراء سلاح الطائفية والمذهبية.
وأمام الواقع الذي نشأ في الجنوب نتيجة الاعتداءات الصهيونية من النزوح للمواطنين تصل الوقاحة بالبعض إلى رفع عقيرته برفض أن تقوم الدولة بواجبها في رعايتهم والاهتمام بحاجياتهم ، ونحن لا نستغرب هذا السلوك وهذا المنطق من أمثال هؤلاء حلفاء إسرائيل بالأمس حيث يظهرون استمرار هذه العلاقة مع هذا الشرير، ولكننا نكرر الدعوة للدولة أن تقوم بما تقتضيه مسؤوليتها الوطنية اتجاه مواطنيها في هذا المجال وأن تطالب المنظمات الدولية الغائبة تماماً عن الحضور في هذا الميدان وتقديم المساعدات الانسانية والا عُدَّت هذه المنظمات متواطئة مع العدو الإسرائيلي.
كما ندعو في هذه الظروف الاستثنائية إلى الكفّ عن خلق الأزمات الداخلية كما حصل في موضوع التمييز في تقديم الحوافز المالية لموظفي الإدارة العامة ونطالب المسؤولين بتلافي أمثال هذه الأخطاء، على ان كل ما يجري يؤكد الحاجة للتوافق بين القوى السياسية للخروج من المراوحة في موضوع انتخاب رئيس للجمهورية لانتظام عمل المؤسسات لإخراج البلد من أزماته الكارثية التي ترتد على المواطنين في كل المجالات على الوضع الصحي الكارثي إلى الوضع الاجتماعي المزري إلى كافة الأوضاع التي تمسّ كرامة وحاجات المواطنين ووضعت البلد على حافة الهاوية فيما الحرب تشتعل على الحدود والعدو يوسّع كل يوم من تهديداته واعتداءاته على القرى والاهالي الآمنين ويهدم بيوتهم ومزارعهم ومصانعهم ويقتل أطفالهم ونساءهم.
هؤلاء الذين يستحقون أن تكون الدولة إلى جانبهم يشعرون بوجودها وبحضورها وبحمايتها ورعايتها لهم وانهم ليسوا وحيدين متروكين لقدرهم في معركة الشرف والكرامة، هؤلاء الشرفاء نتوجه إلى شهدائهم بالرحمة والى جرحاهم بالشفاء العاجل وإليهم بالصبر وعظيم الأجر حيث يدفعون الثمن الغالي عن الجميع دون أي تحمل للمسؤولية من قبل الدولة، نتمنى أن ينتهي هذا التعاطي قريباً ونرى صورة مغايرة تُشرّف المسؤولين.
كما ندعو للمجاهدين من أبناء المقاومة بالنصر العاجل والحفظ من شرّ الأعداء المتربّصين.
(فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ).
(وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ)
(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)
(أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).
اللهم انصر الإسلام والمسلمين واخذل أعداءهم أعداء الدين، اللهم فَرّق جمعهم وشتّت شملهم وأرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم انصر المجاهدين الذين يذودون عن حمى الوطن، اللهم أعزّهم واعزز بهم وانصرهم على عدوك وعدونا من الصهاينة وشرّد بهم من خلفهم، اللهم ارحم شهدائنا وفك أسرانا، اللهم اغفر لحيّنا وميّتنا وشاهدنا وغائبنا ذكرنا وأنثانا صغيرنا وكبيرنا حرّنا ومملوكنا كذب العادلون بالله وضلّوا ضلالاً بعيداً وخسروا خسراناً مبيناً، (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا) (وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا).
واستغفرُ الله لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



