
بيان صادر عن شبكة العدالة في إدارة الموارد في لبنان
أصدرت شبكة العدالة في إدارة الموارد في لبنان بيانًا بعنوان:
«تجنّب فخّ النموذج الاستخراجي: لماذا يجب أن تكون العدالة في صميم التحوّل الطاقوي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»،
بقلم منسّقة الشبكة في لبنان السيدة ديانا القيسي، ومدير منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومسؤول التنسيق المعني بمكافحة الفساد في الشبكة الدكتور بيار سعادة.
وأكد المتحدثان في البيان أنّ منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تشهد تسارعًا غير مسبوق في انتشار مشاريع الطاقة المتجددة، ولا سيما الألواح الشمسية وتوربينات الرياح، مشيرين إلى أنّ تقرير آفاق الطاقة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 2026 يُظهر ارتفاع القدرات المتجددة بنسبة 44 في المئة خلال العام الماضي وحده. ولفتا إلى أنّ هذا التحوّل، للوهلة الأولى، يبدو واعدًا، إذ يعكس توجّه منطقة ارتبط اسمها تاريخيًا بالوقود الأحفوري نحو مسار الحدّ من الاحترار العالمي عند 1.5 درجة مئوية، وتقليص الاعتماد على الهيدروكربونات التي كانت سببًا رئيسيًا في تفاقم أزمة المناخ.
غير أنّ البيان شدّد على أنّ هذا التحوّل يتقدّم في سياق يفتقر إلى العدالة والإنصاف، إذ تُعدّ المنطقة من بين الأكثر تفاوتًا في العالم، حيث تشير البيانات الأخيرة إلى أنّ أغنى 10 في المئة من السكان يستحوذون على نحو 58 في المئة من إجمالي الدخل الوطني، وفقًا لقاعدة بيانات اللامساواة العالمية.
وأشار المتحدثان إلى أنّه، ورغم الصورة الإيجابية التي تُقدَّم عن المشاريع الكبرى بوصفها «خضراء»، يبقى الخطر قائمًا في أن تعيد النخب نفسها التي سيطرت على ثروات الوقود الأحفوري تقديم نفسها بشكل جديد، بهدف الحفاظ على النفوذ ذاته والتحكّم نفسه بثروات المنطقة.
وأكد البيان أنّ علم المناخ لا يترك مجالًا للمماطلة، إذ إنّ الانتقال التدريجي والسريع بعيدًا عن الوقود الأحفوري بات ضرورة حتمية للحدّ من الاحترار وحماية حياة الناس. ولفت إلى أنّ هذا الأمر يكتسب بعدًا أكثر إلحاحًا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث ترتفع درجات الحرارة بمعدلات تفوق المتوسط العالمي بمرتين، ما يجعل التحوّل الطاقوي مسألة تتصل مباشرة بالقدرة الأساسية على العيش، لا خيارًا بيئيًا فحسب.
كما أشار المتحدثان إلى أنّ النفط والغاز، على مدى عقود، لم يكونا مجرد مصادر للطاقة، بل استُخدما كأدوات لتعزيز النفوذ السياسي وترسيخ أنماط الفساد. وشدّدا على أنّ استبدال منصّات النفط بمشاريع طاقة شمسية لن يعالج الخلل البنيوي القائم، ما لم يتغيّر الأسلوب نفسه في إدارة الموارد، ويُوضع الإنسان والعدالة في صلب عملية التحوّل.
وفي هذا السياق، حذّر البيان من استخدام الخطاب «الأخضر» كوسيلة للالتفاف على المساءلة، لافتًا إلى مؤشرات مقلقة بدأت تظهر في عدد من دول المنطقة. وأشار إلى المغرب، حيث واجه مشروع محطة نور ورزازات للطاقة الشمسية، رغم الترويج له كنموذج عالمي ناجح، انتقادات تتعلّق بما وُصف بـ«الاستيلاء الأخضر»، نتيجة الاستحواذ على أراضٍ تاريخية عبر إجراءات غير شفافة شاركت فيها نخب نافذة، ما أدّى إلى تحميل المجتمعات المحلية كلفة المشروع مقابل خصخصة مكاسبه لصالح مستثمرين يتمتعون بنفوذ سياسي.
وبالمثل، أشار البيان إلى أنّ التوجّه نحو إنتاج «الهيدروجين الأخضر» في تونس لتصديره إلى أوروبا أثار مخاوف من نشوء شكل جديد من «الاستعمار الأخضر»، يقوم على استنزاف الموارد المائية المحدودة في ظل غياب رقابة عامة حقيقية. ولفت إلى الاحتجاجات التي شهدتها قابس مؤخرًا، حيث عبّر السكان عن خشيتهم من أن يأتي «التحوّل النظيف» لأوروبا على حساب زيادة الضغط المائي وتفاقم التصحّر في واحات المنطقة، ما يعكس فجوة واضحة بين السياسات التي تُصاغ في العواصم الأوروبية والآثار الفعلية التي تترتب عنها على أرض الواقع في شمال أفريقيا.
وأكد البيان أنّه، في غياب الشفافية الكاملة، لا يمكن اعتبار هذه المسارات حلولًا مناخية حقيقية، بل تتحوّل إلى أشكال من «الريع الأخضر» تُستخدم لإعادة إنتاج أنماط السيطرة نفسها التي كرّسها زمن النفط، ما يؤدي إلى استمرار أوجه اللامساواة الاجتماعية والاقتصادية، ويحرم الناس من حقهم في المشاركة في اتخاذ القرار بشأن أراضيهم ومواردهم.
وفي ما يتعلّق بالتحوّل العادل، شدّد المتحدثان على أنّ التحوّل الطاقوي المستدام لا يقتصر على استبدال منشآت النفط بمصادر طاقة متجددة، بل يتطلّب معالجة البُنى التي سمحت أصلًا بتركيز النفوذ وتفشّي الفساد. وأكدا أنّ هذا النقاش لا يمكن أن يبقى محصورًا بالخبراء الفنيين، بل يجب أن يشمل المجتمع المدني، والنقابات العمالية، والمجتمعات المحلية.
وأشار البيان إلى أنّ التحوّل العادل يقوم على أربع ركائز أساسية:
أولًا، مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية، من خلال نشر العقود، والكشف عن المالكين المنتفعين، وحماية الفضاء المدني بما يتيح إجراء رقابة وتدقيق مستقلين.
ثانيًا، مشاركة وموافقة المجتمعات المحلية، عبر مشاورات فعلية تمنح المجتمعات الأكثر تأثرًا دورًا حقيقيًا في صناعة القرار، مع احترام مبدأ الموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة، ولا سيما بالنسبة للشعوب الأصلية.
ثالثًا، الطاقات المتجددة المتمحورة حول الإنسان، من خلال دعم مشاريع لامركزية قائمة على الملكية المحلية المشتركة، بما يحسّن الوصول إلى الطاقة، ويخلق فرص عمل، ويعزّز قدرات المجتمعات المحلية.
رابعًا، ضمان العمل اللائق والانتقال العادل للعمّال، عبر برامج شاملة لبناء المهارات، وسياسات موجّهة تضمن تدريب النساء وإدماجهن بشكل فعّال في قطاع الطاقة المتجددة.
وختم البيان بالتأكيد على أنّ التحوّل الطاقوي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يشكّل تحدّيًا سياسيًا واقتصاديًا بقدر ما هو تحدٍّ بيئي، مشيرًا إلى أنّ النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد محطات الطاقة الشمسية، بل بالقدرة على خفض انبعاثات الكربون من دون تقويض إيرادات الدولة وسبل العيش. وحذّر من أنّ سوء إدارة هذا المسار قد يحوّله إلى عبء إضافي على العقد الاجتماعي القائم، في حين أنّ استعادة الثقة العامة تتطلّب مشاركة فعلية، ونظم حماية اجتماعية فعّالة، وآليات تعويض موثوقة للمجتمعات التي ارتبطت تاريخيًا باقتصادات الوقود الأحفوري.
كما شدّد المتحدثان على أنّ الحكومات والجهات المانحة ومؤسسات التمويل الإنمائي تقف أمام خيارين حاسمين: إمّا دعم انتقال سريع يتجاهل العدالة، أو ربط التمويل بالشفافية والمساءلة والمشاركة. ومع انعقاد المنتدى العربي للتنمية المستدامة في الأردن خلال أيار/مايو المقبل، اعتبرا أنّ هناك فرصة حقيقية للدفع نحو مسار أكثر توازنًا.
وختم البيان بالقول:
«وكما تشرق الشمس على الجميع في الشرق الأوسط من دون تمييز، حان الوقت لأن تُقاسَم ثمار التحوّل الطاقوي وسلطته بشكل عادل بين الجميع، من دون إقصاء أو تمييز».



