عبد الهادي محفوظ نافذة الحوار… ونفط خرج … والسلة الواحدة

"الحرب مع ايران ستنتهي قريبا لأنه لم يعد هناك شيء نستهدفه". كان هذا ما أدلى به الرئيس دونالد ترامب لموقع اكسيوس الإعلامي. وفي تعليق وتفسير لهذا الكلام قال مستشار وزارة الدفاع الأسبق لقناة الجزيرة "يقول الرئيس ترامب شيئا ومن ثم يعود ليقول عكسه". إنه من دون شك شخص مسكون بالمفاجآت. ومن المفاجآت التي يهيء إليها "قررت وقف الحرب. فأنا صاحب القرار".

إنما إلى أن يتخذ قراره وتطمئن ايران إلى مرحلة ما بعد القرار واليوم التالي وضمانات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ومجلس الأمن الدولي فإن ضغوط الحرب الأميركية – الاسرائيلية على ايران تطول العالم بأسره. وتفاجئ حتى صاحب المفاجآت الرئيس دونالد ترامب. ذلك أن سيد البيت الأبيض لا يبدو متحكما بمسار الحرب ولا بأهدافها المتبدلة باستمرار ولا بمضيق هرمز ولا بأسعار النفط ولا بمخزون اليورانيوم المخصّب ولا بالصواريخ الايرانية. حتى أن استهداف المواقع الرسمية والعسكرية الايرانية وتدمير أبنيتها لم يوقف الإدارة المنتظمة ولا علاقة السلطة بالمواطنين وتلبية مطالبهم والتواصل معهم. وهذا ما يثير تساؤلا وحتى "إعجابا" في الدوائر الأميركية المتابعة لمجريات الحرب وتطوراتها وتداعياتها.

وأكثر من ذلك سقطت الحسابات الأميركية والاسرائيلية في تحريك الداخل الايراني لاحتلال مؤسسات الدولة والقيام بتظاهرات معادية أو في تحريك الجهات الإنفصالية في المناطق الحدودية وحتى في جذب دول الخليج إلى المشاركة في الحرب والإنضمام إلى "التحالف الأميركي". كما أن دول أوروبا الغربية حيّدت نفسها عمليا وتجد نفسها تحت ضغط التضخم واستعمال احتياط النفط لديها تضغط بدورها لوقف الحرب والبحث عن المخارج السياسية والديبلوماسية والعودة إلى المفاوضات وإبقاء الجسور مفتوحة على ايران ودفع الرئيس ترامب إلى المضي قدما في ما أدلى به من استعداد لفتح نافذة الحوار مع النظام الايراني بمرجعية الإمام مجتبى الخامنئي. وكلام ترامب عن "نافذة" يعني أن العبور إلى الحوار يمر في حرب استنزاف لا تطول حتى تتيقّن أطراف الحرب على اختلافها من معادلة لا أحد يربح الحرب ولا أحد يخسرها ويتساوى الجميع ما لم يتم الإنتقال إلى مرحلة استخدام السلاح النووي الذي يفتح "النافذة" على حرب عالمية يتحاشاها الجميع.

في حرب الإستنزاف هذه بدأت تجري مراجعات موضوعية لأهداف الحرب وما تحقق منها وما لم يتحقق ولآفاق الوضع المستقبلي. وفي هذه المراجعات يتم الوقوف طويلا عند التداعيات الاقتصادية والمالية التي تؤرق الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعد ظهور احتجاجات شعبية واسعة على سعر البنزين ومخاوف شركات كبرى من انهيارات في البورصة الأميركية وفي الأسواق المالية ومن عجز الحلول لأزمة الطاقة على صعيد عالمي ولحلفاء أميركا.

وأما في تفسير أن الصين لا زالت تتزوّد بالنفط الايراني بما يقارب مليوني برميل يوميا فهو وفقا لمعلومات أميركية أن الرئيس دونالد ترامب يغض الطرف عن التعرض للناقلات من مرفأ جزيرة خرج الايراني في رسالة لايران بألا تتعرّض بدورها لحقول النفط والمصافي وبوابات البحار في الدول المجاورة وأن "تتأنى" في قرار إغلاق مضيق هرمز. هذه ناحية. أما الناحية الثانية فهي أن الرئيس ترامب يريد زيارة الصين قريبا مصحوبا بمسؤولين أميركيين كبار وبرؤساء شركات أميركية متعددة الجنسيات وبالتالي يتجنب أي أزمة سببها النفط مع الصين. ومن هنا يطمح إلى تحقيق وقف للنار قبل رحلته إلى بكين وخصوصا أنه مستعجل على تجنّب النتائج السلبية لحرب الإستنزاف التي تعتبرطهران أنها مستعدة لها لقترة طويلة.

لكن ماذا عن لبنان وعن الكلام الذي يروّج بأن وقف الحرب سيعطي المجال لبنيامين نتنياهو بأن يتفرّد بلبنان وبحزب الله وبأنه أخذ ضوءا أخضر بذلك من الرئيس الأميركي دونالد ترامب؟ قد يكون هذا ما يرد في الحسابات الأميركية – الاسرائيلية وإنما ليس في حسابات ايران والمقاومة. فوقف الحرب منفردا من الرئيس ترامب على ايران لا يعني إطلاقا أن طهران تعتبر نفسها غير معنية بلبنان. فحرب الإستنزاف ستستمر مع اسرائيل التي بدأ الرأي العام فيها يتكلم عن توريط نتنياهو للدولة العبرية بحرب عبثية الأهداف وبصواريخ تدفع غالبية السكان إلى الإقامة في الملاجىئ والغرف المحصّنة أو إلى الهجرة.

وفي المعلومات أن لا وقف للحرب من الجانب الايراني إلا على قاعدة سلة واحدة وضمانات دولية وأميركية نهائية. وهذا ما يعمل عليه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في التواصل مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي يصغي إليه جيدا ويأخذ بنصائحه. أما إذا التزمت ايران بوقف الحرب من دون التزام بالسلة الواحدة للحل مع لبنان فإنها ستخسر البيئة الشيعية الحاضنة التي يمكن أن تتحوّل باتجاه آخر.

عبد الهادي محفوظ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى